ظاهرة الكرم المستدام

 الشيخ محمد البايح – ركن حائل وملاذ الطريق الدولي

إعداد: ناصر السلمان


المقدمة: فلسفة العطاء في الوجدان الحائلي

الحديث عن الكرم في الجزيرة العربية ليس مجرد سرد لطقوس أو عادات، بل هو قراءة لروح الإنسان العربي في بيئة شديدة القسوة. فالصحراء تصنع رجالاً يكسرون حدّة الطبيعة بكرم النفوس وسعة الصدر.
وفي قلب هذه البيئة تبرز حائل، بجغرافيتها وتاريخها، كأرض أنجبت نماذج مضيئة في الجود. ومن أبرزهم في عصرنا الحديث: الشيخ محمد البايح، الذي لم يكن مجرد صاحب مضيف، بل مؤسسة إنسانية مفتوحة على الطريق.

ويأتي هذا البحث ضمن مشروع الموسوعة العالمية للكرم، لتوثيق سيرته ودراسة نموذج العطاء المستدام الذي قدمه هو وأبناؤه.


الفصل الأول: حائل.. الجغرافيا التي تُنبت الكرم

 أثر المكان

حائل، بين جبال أجا وسلمى والنفود الكبير، بيئة تجمع بين الشدة والرحمة. كانت دائماً ملاذاً في قلب الصحراء، مما جعل الضيافة ضرورة حياتية، لا مجرد عادة اجتماعية.
هذه البيئة صنعت رجالاً يدركون قيمة الضيف، ويعتبرون خدمته واجباً قبل أن تكون فضلاً.

 من حاتم الطائي إلى محمد البايح

موطن حاتم الطائي لا يزال يصدّر للعالم رجالاً يستمرون في حمل راية الجود.
ومحمد البايح يأتي امتداداً لهذا الإرث:

  • حاتم يوقد النار لهداية التائه.
  • البايح يفتح مضيفه على الطريق العام لخدمة المسافر المعاصر.

الفصل الثاني: الشيخ محمد البايح.. رجل يسبق سمعته

 سيرة العطاء

يروي أهل المنطقة أن البايح يجد راحته في خدمة الضيوف، وأن مجلسه لا يهدأ. صار اسمه معروفاً للمسافرين قبل أن يصلوا إلى حائل، حتى أصبح السؤال الشائع:
“كم باقي ونوصل للبايح؟”

 الموقع الاستراتيجي للديوان

يقع مضيف الشيخ محمد البايح في منطقة حائل، على طريق القاعد – قرية الجثامية، بجوار جامعة حائل مباشرة، وعلى الشارع العام.
هذا الموقع جعله محطة ثابتة لكل من يعبر تلك الجهة، سواء من أهل المنطقة أو المسافرين من الخارج.

 مجلس مفتوح للكل

مجلس البايح كان يضم:

  • أهل الديار
  • المسافرين من الشام
  • العابرين من العراق
  • السائقين وأصحاب الرحلات الطويلة

لا تمييز ولا فرز. الضيف ضيف، وله المكان والوجه الطيب.


الفصل الثالث: طقوس الضيافة في مضيف البايح

 القهوة العربية

القهوة هي أول رسالة ترحيب، وصوت النجر في المضيف كان بمثابة إعلان أن المجلس عامر.
وللقهوة عند البايح رمزية:

  • احترام
  • أمان
  • تقدير للمسافر

 المائدة التي لا تبرد

المضيف يعمل طوال اليوم، لأن المسافر لا يحدد وقت وصوله.
وكانت المائدة عامرة:

  • مفاطيح يومية
  • أطباق سخية
  • اهتمام بجودة الطعام ونظافته
  • تقديمه بوجه بشوش ونية طيبة

 المبيت والراحة

خصّص الشيخ غرفاً للمبيت والاستراحة، مجهزة بكل ما يحتاجه المسافر.
الضيف ينام آمناً، مطمئناً، وكأنه في بيته.


الفصل الرابع: أثر المضيف اجتماعياً وإنسانياً

 دبلوماسية المجالس

مجلس البايح كان يُعرّف بالسعودي الأصيل أمام الزوار من الشمال والعراق.
كثير من المسافرين عاد ليزور حائل فقط لأنه مرّ بديوان البايح يوماً.

 انتشار سمعته خارج الحدود

انتشرت قصته عبر أحاديث المسافرين، حتى أصبح اسمه معروفاً في:

  • العراق
  • الشام
  • بعض دول الخليج

وتحوّل مجلسه إلى علامة إنسانية على الطريق.


الفصل الخامس: الاستدامة.. الأبناء وحمل الراية

 بقاء النار مشتعلة

أكبر إنجاز للشيخ أنه لم يجعل الكرم صفته وحده، بل جعلها ثقافة في أسرته.
أبناؤه تربّوا على خدمة الضيف، ورأوا فيها شرفاً قبل أن تكون عادة.

 استمرار الرسالة

اليوم يواصل الأبناء مسيرة والدهم بنفس الروح، وبنفس حضور المجلس.
المضيف ما يزال مفتوحاً، والكرم مستمراً دون توقف، وكأن البايح موجود في كل زاوية من الديوان.

محمد البايح ليس مجرد رجل كريم، بل مدرسة جود متكاملة، أثبتت أن العطاء حين يكون نابعاً من القلب يعيش أطول من صاحبه.
وموقع مضيفه، على طريق القاعد قرب الجثامية وبجوار جامعة حائل، جعله أحد أهم شواهد الضيافة الحائلية المعاصرة.

ويبقى هذا النموذج شاهداً على أن حائل، منذ حاتم إلى البايح، ما زالت أرضاً تنبت رجالاً يشرّفون المكان والزمان.

من alkram net