منارة الموصل الشامخة: الشيخ أحمد الصويلح اللويزي… حين يصبح الكرم عقيدة ومنهاج حياة

بقلم : ناصر السلمان
 الموسوعة العالمية للكرم

في الشمال العراقي، حيث يعانق دجلة كتف الموصل، وحيث ترتفع مآذنها كأوتاد نور تربط الأرض بالسماء، وُلدت حكايات لا تشيخ. وقد ظلّت هذه المدينة، منذ آلاف السنين، ملتقى للقوافل، وممرّاً للتجار، ومرسى للعلماء والحجاج والمسافرين.
في هذه الرقعة التي شهدت دولاً قامت ودولاً اندثرت؛ ظلّ شيء واحد ثابتاً: الكرم العراقي، الذي يشعّ كجمرةٍ لا تنطفئ في قلب التاريخ.

ومن بين نجوم هذا الإرث العريق، يبرز اليوم اسم الشيخ أحمد الصويلح اللويزي، واحداً من أعمدة الكرم في العصر الحديث، ورمزاً يعكس امتداداً حيّاً لسلسلة طويلة من الأبطال الاجتماعيين الذين صاغوا معنى الضيافة العربية منذ الجاهلية وحتى اليوم.


من عمق التاريخ إلى حاضر اللويزي: خيطٌ واحد يمتد بعظمة

الكرم في العراق ليس صفة طارئة ولا ممارسة موسمية، بل هو جزء من هوية تمتد جذورها إلى آلاف السنين.
في العصر السومري، سُجّلت أولى شرائع حماية “الغريب”.
وفي بابل، وُجدت نصوص تؤكد حق المسافر في الطعام والمأوى.
وفي الجزيرة العربية، قبل الإسلام، كانت الضيافة معيار رجولة. يكفي ذكر “حاتم الطائي” ليقف الزمان احتراماً.

ومع بزوغ الإسلام، تحوّل الكرم إلى قيمة إيمانية، تُروى في أحاديث النبي ﷺ، وتُمارس في المدن والبوادي.

اليوم، يقف الشيخ أحمد الصويلح اللويزي كامتداد طبيعي لهذا الإرث؛ ليس مجرد رجل كريم، بل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية عظيمة، تبدأ من نيران البادية وتنتهي براية ترفرف فوق ديوانه.


الراية التي لا تُنكّس: استمرار لطقوس الأجداد

في الزمن القديم، كانت القبائل توقد ناراً عالية على رؤوس الجبال، تُسمّى “نار الضيافة”، كي يهتدي بها المسافر. وفي شمال الجزيرة وبلاد الشام والعراق، كان لهذه النيران مكانة اجتماعية عظيمة، فقد كانت رمزاً للعز والوفاء.

واليوم، يحيي الشيخ اللويزي هذا الطقس، ولكن بأدوات العصر.

فوق ديوانه، ترتفع الراية الخفاقة… ليست لإشهار القوة، بل لتقول لكل عابر:

“اقترب… لن تكون جائعاً، ولن تكون وحيداً، ولن تكون غريباً.”

بهذه الراية، عاد ذلك “الفنار البري” الذي عرفه العرب، وكأن الزمن استدار ليضعنا مجدداً أمام معاني السخاء الأولى.


الديوان… مؤسسة إنسانية أكثر منه مجلساً قبلياً

ديوان الشيخ أحمد الصويلح ليس مجرد مجلس يُستقبل فيه الضيوف، بل هو مؤسسة اجتماعية متكاملة، يقوم فيها دور وطني وإنساني يتجاوز حدود الجغرافيا.

1. محطة أمان للمسافرين

موقع الديوان على الطريق العام ليس صدفة، بل رسالة واضحة بأن كل عابر سبيل له نصيب من الراحة والكرامة.

2. ملتقى إصلاح ذات البين

على مدى سنوات، كان هذا الديوان جسراً لحل الخلافات، وتسكين النفوس، وفتح الأبواب المغلقة بالودّ قبل القانون.
فالشيخ اللويزي يؤمن أن الكرم لا يكتمل إلا إذا أطفأ نار الفتنة، وجمع بين القلوب.

3. مركز إنساني في أوقات الشدّة

مرت الموصل بظروف عصيبة، ولكن وسط الغبار والاضطراب، بقي هذا الديوان نقطة ضوء.
لم تُغلق أبوابه يوماً… بل ظلّ يستقبل المحتاج والمشرّد والمسافر والضعيف، في أحلك اللحظات.


الوجه قبل المائدة… فلسفة الكرم اللويزي

كثيرون يظنون أن الكرم يتعلق بما يُقدَّم على المائدة، لكن الشيخ اللويزي يقدّم درساً مغايراً:

الكرم الحقيقي يبدأ من الوجه.
من الابتسامة.
من البشاشة التي تُشعر الضيف بأنه في بيته قبل أن يجلس.

وقد أجمع كل من زار ديوانه أن هذه “البشارة الطيبة” هي سر جاذبيته، وهي ما جعلت الناس تتفق على أن كرم الشيخ أحمد ليس مجرد عادة، بل طبعٌ متجذّر.


حين يصبح الكرم رسالة سلام

في تاريخ العراق، كان للكرم دورٌ أساسي في حماية المجتمع.
فالقبيلة التي تُكرم ضيفها كانت تُعرف بأنها قبيلة آمنة، مرهوبة الجانب، طيبة السيرة.
وبهذا المفهوم، أعاد الشيخ اللويزي للكرم دوره القديم:
جدار حماية اجتماعي.

ديوانه ليس للضيافة فقط، بل لتهدئة النفوس، وتعزيز الألفة، وبناء الثقة بين الناس.
ومع كل ضيف يدخل، تتجدد رسالة مفادها:

“الخير أقوى من الفتن، والإنسان أهم من الظروف.”


خاتمة: اسمٌ خُلد في الموسوعة… وامتداد لروح العظماء

إن إدراج الشيخ أحمد الصويلح اللويزي في سجل الموسوعة العالمية للكرم ليس مجرد تقدير لأعماله، بل هو توثيق لرمز تاريخي حيّ أعاد تعريف الضيافة في زمن تغيرت فيه القيم.

ديوانه على الطريق
ورايته الشامخة
واستدامة عطائه
كلها شواهد على أن روح حاتم الطائي لم تَزُل، بل تجسدت من جديد في رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا خير خلف لخير سلف.

لوحة تعريفية لديوان الشيخ أحمد الصويلح اللويزي

ديوان الشيخ أحمد الصويلح اللويزي
منارة كرمٍ تمتد جذورها من تاريخ العراق إلى حاضر الموصل.

هنا… حيث ترفرف الراية الشامخة فوق الطريق العام،
وتدلّ المسافر على بيتٍ لا تُغلق أبوابه،
ومائدةٍ لا تُرفع،
ويدٍ لا تُردّ.

هذا الديوان ليس مجلس ضيافة فحسب،
بل مؤسسة إنسانية تجمع المسافر والضيف ووجهاء المجتمع،
وتُصلح ذات البين،
وتحفظ إرث الكرم الذي حملته القبائل العربية منذ نار البادية إلى راية اليوم.

في هذا المكان يتجدد معنى الجود:
ابتسامة تسبق الترحيب،
وفزعة تسبق السؤال،
وصدور رحبة تحتضن القريب والبعيد.

هنا… روح الموصل، وامتداد سيرة الكرم العراقي الأصيل.
هنا… ديوان الشيخ أحمد الصويلح اللويزي.

 دراسة شاملة  لظاهرة “منارة الموصل”

الشيخ أحمد الصويلح اللويزي

1. المقدمة: تأصيل مفاهيمي لظاهرة الكرم في السياق العراقي المعاصر

يشكل الكرم في الوعي الجمعي العربي، والعراقي على وجه الخصوص، ركيزة أساسية من ركائز الهوية الثقافية، تتجاوز كونها ممارسة اجتماعية عابرة لتصبح “نسقاً عقائدياً” يحكم شبكة العلاقات بين الأفراد والجماعات. وفي قلب محافظة نينوى، التي تمثل بوتقة انصهار تاريخي بين أصالة البداوة وعراقة التحضر، تبرز ظاهرة الشيخ أحمد الصويلح اللويزي كحالة دراسية نموذجية تستحق التوثيق والتحليل العميق ضمن مشروع “الموسوعة العالمية للكرم” الذي يقوده الباحث ناصر السلمان.1

إن هذه الدراسة، التي تستند في جوهرها إلى المسودة الأدبية الرفيعة للكاتب ناصر السلمان، تسعى إلى تفكيك البنية العميقة لهذه الظاهرة، ليس فقط من خلال سرد المناقب، بل عبر تحليل “مؤسسة الضيافة” التي شيدها اللويزي، ودلالات “الراية” التي رفعها كفنار بري، والأبعاد الروحية والاجتماعية التي حولت هذا السلوك الفردي إلى مدرسة أخلاقية متكاملة. نحن أمام محاولة لإعادة قراءة الجغرافيا الإنسانية للموصل، حيث ينبت “ربيع ثالث” هو ربيع الجود، مكملاً لربيعي الطبيعة اللذين اشتهرت بهما المدينة “أم الربيعين” [User Query].

تعتمد هذه الدراسة منهجية وصفية تحليلية، تستقرئ المعطيات الميدانية، والأدبيات الشفهية (الهوسات والقصائد)، والسياقات التاريخية للقبائل العربية (عشيرة اللويزيين وبني صخر)، لتقدم تقريراً شاملاً يضع الشيخ أحمد الصويلح في مكانه الطبيعي ضمن السجل العالمي لرموز العطاء الإنساني.


2. الجذور الاصيلة : نينوى والعمق القبلي لعشيرة اللويزيين

2.1 الجغرافيا الثقافية للموصل: أرض الحضارات والربيع الثالث

لا يمكن فهم ظاهرة الشيخ أحمد الصويلح بمعزل عن البيئة التي نشأ فيها. فالموصل، بلقبها التاريخي “الحدباء” و”أم الربيعين”، ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي “نص تاريخي” مفتوح. يشير النص التأسيسي للموسوعة إلى أن الموصل هي المكان “حيث يعانق التاريخ العراقي أصالة البداوة وحضارة المدن” [User Query]. هذا التمازج الفريد خلق شخصية موصلية مركبة؛ فهي تمتلك دقة التنظيم الحضري، وفي الوقت نفسه، تحتفظ بـ “نخوة” البدوي واستعداده الدائم لإغاثة الملهوف.

يضيف ناصر السلمان بعداً جديداً لهذه الجغرافيا، مشيراً إلى “ربيع ثالث لا يذبل” هو ربيع الجود. هذا التوصيف ينقل الكرم من خانة “السلوك الطوعي” إلى خانة “الظاهرة الطبيعية” الحتمية في هذه الأرض. فكما أن الربيع قدرٌ مناخي للموصل، فإن الكرم قدرٌ أخلاقي لرجالها. وفي هذا السياق، يبرز الشيخ أحمد الصويلح كأحد “أعمدة الكرم العراقي المعاصر”، ممثلاً امتداداً شرعياً لهذا الإرث.3

2.2 الأصول الجينية للكرم: عشيرة اللويزيين وبني صخر

للغوص أعمق في تكوين شخصية الشيخ أحمد، يجب النظر إلى جذوره القبلية. ينتمي الشيخ إلى عشيرة “اللويزيين”، التي ترتبط بنسب وثيق مع قبائل “بني صخر” الطائية العريقة.4 تاريخياً، عُرفت بني صخر بلقب “حمر النواظر” لشدة بأسهم، لكنهم عُرفوا أيضاً بأنهم أحفاد “حاتم الطائي” بالمعنى الجيني والثقافي.

تشير المرويات والقصائد الشعبية المتداولة حول هذه العشيرة إلى أن الكرم لديهم ليس خياراً، بل هو “سمة جينية” واجبة النفاذ. القصائد التي تمجد شيوخ اللويزيين، مثل الشيخ حواس السحاب وغيره، تركز دائماً على مفردات “الصحن”، “المنسف”، و”البيت المفتوح”.4 هذا الإرث يفسر لماذا تحول الكرم عند الشيخ أحمد الصويلح إلى “عقيدة” كما وصفه نص المسودة. إنه لا يمارس الكرم ليبني مجداً شخصياً فحسب، بل ليستجيب لنداء الدم الذي يربطه بأسلافه العظام.


3. التكوين الروحي والأخلاقي: حينما يكون القرآن دستوراً للضيافة

3.1 الوازع الديني: “إياك نعبد” في محراب الخدمة

من النقاط الجوهرية التي غابت عن السرديات السطحية، وحضرت في البحث الاستقصائي، هو البعد الديني العميق في شخصية الشيخ أحمد الصويلح وعائلته. تشير الوثائق المرئية والمسموعة إلى اهتمام بالغ في القرآن الكريم وإقامة الصلوات، حيث يظهر الشيخ (أو من يمثله في العائلة) وهو يختم القرآن ويؤم الناس في صلاة التراويح احيانا .6

هذا المعطى يغير فهمنا لدوافع الكرم لديه. فالكرم هنا ليس مجرد “وجاهة اجتماعية” ، بل هو “عبادة”  عندما يقرأ الشيخ في صلاته “فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة”، فإنه يترجم هذه الآيات عملياً في ديوانه. الربط بين “المحراب” و”المضيف” هو جوهر الشخصية الإسلامية التقليدية، حيث لا ينفصل الدين عن الدنيا.

إن وصف المسودة للكرم بأنه “عقيدة ومنهاج حياة” يكتسب هنا معناه الحرفي لا المجازي. فالعقيدة هي ما وقر في القلب (الإيمان والقرآن)، والمنهاج هو العمل بالأركان (الإطعام والخدمة). وعليه، فإن استدامة العطاء عند اللويزي تستمد طاقتها من نبع روحي لا ينضب، مما يفسر قدرته على الاستمرار “بلا كلل أو ملل” فالذي يعمل لله لا ينتظر جزاءً من البشر، وبالتالي لا يصاب بالإحباط أو التعب.

3.2 “طلاقة الوجه”: الصدقة المعنوية

 أن “الابتسامة قبل الوليمة” هي العلامة الفارقة للشيخ أحمد. في الأدبيات الإسلامية، “تبسمك في وجه أخيك صدقة”. لقد نجح الشيخ في الموائمة بين ” الكرم المادي” (الطعام) و”الكرم المعنوي” (البشاشة). يؤكد الزوار أن “سخاء الروح… يفوق لذة الطعام”  هذا السلوك يعكس تربية روحية عالية، تهذب النفس وتمنعها من “المنّ” أو “الأذى” الذي قد يصاحب العطاء. إنه ارتقاء بمرتبة الضيافة من مجرد “إشباع البطون” إلى “جبر الخواطر”.


4.  المكان والرمز: الراية كـ “فنار بري”

4.1 الراية: تحولات الدال والمدلول

يركز مشروع “الموسوعة العالمية للكرم” بشكل مكثف على رمزية “الراية” التي تعلو ديوان الشيخ أحمد الصويلح. في علم العلامات، تعتبر هذه الراية “علامة أيقونية” مكثفة الدلالة.

يصف النص الراية بأنها: “ليست لإعلان حرب ولا لتحديد نفوذ، بل هي (فنار بري)”  هذا النفي المزدوج (لا حرب، لا نفوذ) ضروري جداً في السياق العراقي.

  • السياق المتناقض (الرايات السوداء): مرت المنطقة بحقبة مظلمة سيطرت فيها “رايات سوداء” تحمل شعارات الموت والدمار، وكانت ترمز للإقصاء والذبح.7 تلك الرايات كانت تثير الرعب في نفوس المسافرين.

  • السياق الإصلاحي (راية اللويزي): في المقابل، ترتفع راية الشيخ أحمد (التي غالباً ما تكون بيضاء أو تحمل ألواناً ترحيبية وفق العرف العشائري 8) لتعيد صياغة المشهد البصري للمنطقة. إنها تعلن “انتصار الحياة” على الموت، و”انتصار الكرم” على الخوف.

4.2 الفنار البري: استعارة الوظيفة

استخدام او استعارة “الفنار البري” كعلامة فارقة. الفنار في البحر يهدي السفن التائهة وسط الأمواج المتلاطمة. في صحراء نينوى وطرقاتها الخارجية، تتلاطم أمواج “التعب” و”الجوع” و”وحشة الطريق”. هنا تعمل الراية بنفس آلية الفنار:

  1. الثبات: الفنار لا يتحرك، وكذلك ديوان الشيخ، نقطة ثابتة في عالم متحرك (الطريق السريع).

  2. اللغة العالمية: ضوء الفنار يفهمه كل البحارة مهما اختلفت لغاتهم. وراية الشيخ وموقد ناره لغة عالمية يفهمها كل الجوعى، عرباً كانوا أو عجماً.

  3. الأمان: رؤية الفنار تعني انتهاء الخطر. ورؤية الراية تعني، كما يذكر النص: “أن رحلة الجوع والخوف قد انتهت”.

4.3 الجذور التاريخية لرفع الرايات

إن قيام الشيخ أحمد برفع الراية ليس بدعة، بل هو إحياء لـ “سُنة العرب القدماء”. تاريخياً، كان العرب يرفعون الرايات البيضاء (اللواء) في المواسم والأسواق للدلالة على الشخصيات الكريمة أو للإعلان عن “خيمة الطهور” أو الأفراح.8 كما كانت “نار الحباحب” توقد ليلاً.

لقد قام اللويزي بـ “مأسسة” هذا التقليد. لم تعد الراية ترفع لمناسبة مؤقتة، بل أصبحت “ميثاق شرف” دائم. وجود الراية يعني وجود الشيخ، ووجود الشيخ يعني وجود الطعام والأمان. هذا التلازم الشرطي هو ما صنع “العلامة التجارية” الأخلاقية لهذا الديوان.


5. هندسة الضيافة: الديوان كمؤسسة مستدامة

5.1 الموقع الاستراتيجي: تقاطع المصائر

يقع ديوان الشيخ أحمد الصويلح على “الطريق العام”  اختيار الموقع يمثل “ذكاءً مكانياً”. الكرم الحقيقي هو الذي يعترض طريق المحتاج، لا الذي ينتظر المحتاج ليسأل عنه. بوضعه الديوان على قارعة الطريق، حول الشيخ منزله إلى “محطة إلزامية” للراحة. هذا الموقع يفرض تحديات لوجستية هائلة، إذ أن تدفق الضيوف (المسافرين) غير متوقع ولا يخضع لجدول زمني، مما يتطلب جاهزية قصوى.

5.2 ديمومة العطاء: تحدي الزمن

يشير التقرير إلى أن ديوان الشيخ يعمل بنظام “الاستدامة”  “لا يوجد توقيت للزيارة، فالليل كالنهار”. لتحقيق هذا، لابد من توفر منظومة “إدارة عمليات”  ضمنية، تشمل:

  • سلاسل التوريد: توفير الذبائح، الأرز، الوقود، والقهوة بكميات تجارية تضاهي الفنادق، لكن بتمويل ذاتي محض.

  • الموارد البشرية: تجنيد الأبناء والأحفاد وأبناء العمومة للعمل في خدمة الضيوف بنظام المناوبات الضمني.

  • الصيانة المستمرة: الحفاظ على نظافة المكان وجاهزيته لاستقبال الوفود في أي لحظة.

هذه “المؤسسة” هي التي دفعت ناصر السلمان للقول بأن اللويزي “حوله إلى مؤسسة قائمة بحد ذاتها”. لم يعد الكرم هنا نزوة عاطفية، بل صار “منظومة عمل”.

جدول (2): الهيكل الوظيفي لديوان الشيخ أحمد الصويلح (تحليل استنتاجي)

الوظيفة الآلية التقليدية التطبيق في ديوان اللويزي
الاستقبال الترحيب بالضيف عند الباب وجود دائم عند المدخل (الراية)، وبشاشة الوجه كبروتوكول أول.
الإطعام تقديم الطعام عند الطلب أو في الوجبات ”  العطاء ” ممدود، وجاهزية للطبخ الفوري على مدار 24 ساعة.
الإيواء المبيت لليلة واحدة او اكثر “محطة استراحة” وواحة أمان للمسافرين المنهكين بلا حد زمني.
الأمن حماية الضيف (الدخيل) توفير الحماية المعنوية والمادية تحت راية العشيرة.

6. الأبعاد الاجتماعية والسياسية: الديوان كبرلمان أهلي

6.1 حل النزاعات وإصلاح ذات البين

لا يقتصر دور ديوان الشيخ أحمد على “الإطعام البيولوجي”، بل يتعداه إلى “الإطعام الاجتماعي” عبر تحقيق السلم الأهلي. يذكر النص أن الديوان هو “ملتقى اجتماعي لحل النزاعات”  في العرف العشائري العراقي، يعتبر المضيف مكاناً مقدساً لعقد “الفصل العشائري” 

  • هيبة المكان: المتخاصمون الذين يدخلون تحت راية اللويزي يلتزمون بآداب المكان، مما يسهل عملية التفاوض.

  • بركة الطعام: المشاركة في “العيش والملح” تكسر الحواجز النفسية وتسهل المصالحة.

  • الشيخ كحكم: رصيد الشيخ الأخلاقي (الناتج عن كرمه) يمنحه “سلطة ناعمة” تجعل أحكامه مقبولة لدى الأطراف المتنازعة. الكرم هنا هو “رأسمال سياسي” يستثمر في الاستقرار.

6.2 رسالة سلام في زمن الاضطراب

في الأوقات العصيبة التي مرت بها الموصل، كان بقاء ديوان الشيخ مفتوحاً يمثل “رسالة صمود”. يقول النص: “في أوقات الشدة… كان ديوانه رسالة مفادها أن معدن الإنسان العراقي الأصيل لا يتغير”.

إن استمرار طقوس الحياة الطبيعية (الضيافة، القهوة، التجمع) في زمن الحرب هو نوع من “المقاومة الثقافية”. الشيخ أحمد، بإبقائه الراية مرفوعة، كان يعلن أن الموصل لن تموت، وأن قيمها أقوى من الرصاص.


7. الشيخ أحمد الصويلح في “الموسوعة العالمية للكرم”

7.1 منهجية التوثيق ورؤية ناصر السلمان

يمثل إدراج الشيخ أحمد الصويلح في “الموسوعة العالمية للكرم” تطبيقاً عملياً لرؤية مؤسسها ناصر السلمان. تهدف الموسوعة إلى “تعزيز الترابط والتعاون العالمي” عبر إبراز القيم الإنسانية المشتركة.1

اختيار الشيخ أحمد لم يكن عشوائياً، بل جاء وفق معايير دقيقة تتوافق مع رسالة الموسوعة:

  1. العالمية: كرم الشيخ موجه لـ “عابر السبيل” بغض النظر عن جنسيته أو دينه، مما يحقق مبدأ “الأخوة الإنسانية”.

  2. الاستدامة: الكرم كمنهاج حياة وليس حدثاً عابراً.

  3. الأثر القيمي: تحول الكرم إلى وسيلة للتربية الأخلاقية للمجتمع.

7.2 مقاربة تاريخية: حاتم الطائي يتجدد

يختم النص بمقاربة جريئة: “حاتم الطائي لم يمت، بل تجددت روحه”. هذه المقاربة تؤكد نظرية “تناسخ القيم”. فالمجتمعات الحية تعيد إنتاج رموزها. إذا كان حاتم الطائي قد قهر “شح الطبيعة” في صحراء نجد القديمة، فإن أحمد الصويلح قد قهر “شح النفوس” وطغيان المادة في العصر الحديث.

كلاهما استخدم “النار” (نار القرى / الراية) كأداة اتصال، وكلاهما جعل من “الضيف” سيداً، وكلاهما خلده التاريخ (الشعر قديماً، والموسوعة حديثاً).


8. الخاتمة والتوصيات

إن الشيخ أحمد الصويلح اللويزي يمثل ظاهرة حضارية تتجاوز حدود محافظة نينوى لتصل إلى العالمية عبر “الموسوعة العالمية للكرم”. إنه يجسد نموذج “الإنسان المانح” في عالم يغلب عليه “الإنسان المستهلك”. من خلال رايته التي لا تنكس، ووجهه الذي لا يغيب عنه البشر، وديوانه الذي لا يوصد أبوابه، يعيد اللويزي كتابة عقد اجتماعي جديد قوامه الحب، والثقة، والعطاء المطلق.

وبناءً على هذا البحث المعمق، ولتوثيق هذه المسيرة العطرة، نقترح الصيغة التالية للوحة التعريفية التي ستوضع عند مدخل الديوان، لتكون شاهداً للأجيال القادمة:

ديوان الشيخ أحمد الصويلح اللويزي

منارة الموصل.. ومحطة القلوب قبل الدروب

“في هذه البقعة من أرض نينوى، وحيث يلتقي عبق التاريخ بأصالة الجود، شيد الشيخ أحمد الصويلح اللويزي هذا الصرح، ليكون واحةً للأمن وملاذاً لعابري السبيل.

تحت هذه الراية الخفاقة، يسقط الجوع، ويزول الخوف، وتتلاشى الغربة. هنا، الكرمُ ليس عادة، بل عقيدةٌ راسخة ومنهاج حياة، وهنا، تُستقبل الوجوهُ بالبِشر قبل القِرى، وتُفتح القلوب قبل الأبواب.

يا عابرَ السبيل.. دخلتَ دارنا ضيفاً، وخرجتَ منها سيداً. هذا الإرث نهديه من (حاتم) الأمس إلى إنسان الغد، شاهداً على أن الخير في هذه الأرض باقٍ ما بقي في الناس عرقٌ ينبض.”

التوثيق: الموسوعة العالمية للكرم – بقلم: ناصر السلمان.


المصادر والمراجع (مدمجة في التحليل):

  • [User Query]: مسودة المقال الأصلية “منارة الموصل الشامخة” والبيانات الواردة فيها.

  • 6: البيانات المتعلقة بالنشأة الدينية وحفظ القرآن.

  • 1: وثائق “الموسوعة العالمية للكرم” ورؤية ناصر السلمان.

  • 4: التاريخ الشفهي والمرئي لعشيرة اللويزيين وبني صخر وقصائد المدح.

  • 8: الدراسات التاريخية حول عادات رفع الرايات عند العرب.

  • 3: قوائم الشخصيات الاجتماعية والعشائرية في نينوى.

  • 7: السياقات الأمنية والسياسية والاجتماعية في العراق (دلالات الرايات، الفصل العشائري).

من alkram net