لورنس فينك… رجل المال الذي حوّل نفوذه إلى أثر إنساني عالمي
بقلم: ناصر – الموسوعة العالمية للكرم
تفتخر الموسوعة العالمية للكرم بتسليط الضوء على الشخصيات الدولية التي جعلت من نفوذها الاقتصادي جسراً لصناعة أثر إنساني أوسع، ومن أبرز هؤلاء لورنس دوجلاس فينك (Larry Fink)، مؤسس ورئيس مجلس إدارة أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم BlackRock، والذي استطاع أن يثبت أن القوة المالية يمكن أن تتحول إلى قوة خير إذا وُجّهت بالشكل الصحيح.
من المال إلى بناء الإنسان
برغم أن لاري فينك يُعد من أعظم العقول الاقتصادية في العالم الحديث، إلا أن حضوره الإنساني لم يكن أقل تأثيراً من حضوره المالي. فقد آمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان، وتمكينه، وفتح أبواب الفرص أمام الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.
مؤسسة بلاك روك الخيرية… حجر الأساس
أطلق فينك مبادرة محورية بتأسيس BlackRock Foundation عبر دعم مالي ضخم تجاوز نصف مليار دولار من أسهم الشركة، ليكون هذا الصندوق أحد أكبر المبادرات التي تُعنى بـ:
- تحسين الوضع الاقتصادي للفئات محدودة الدخل
- دعم الاستقرار المالي للأسر المتعثرة
- تعزيز فرص العمل والتنقل الاقتصادي
- دعم مشاريع ذات أثر مستدام وطويل المدى
هذه المؤسسة أصبحت واحدة من أهم الأدوات التي تستخدمها بلاك روك في خدمة المجتمعات في عشرات الدول.
تمكين الشباب وتوسيع فرص التعليم
يؤمن فينك أن التعليم هو السلاح الأقوى لكسر دائرة الفقر، ولذلك دعمت مؤسسته برامج تعليمية متنوعة، وقدّمت منحاً وفرص تدريب للشباب، خصوصاً للاجئين والمهاجرين والباحثين عن عمل.
كما شاركت بلاك روك في توفير برامج تساعد على تنمية المهارات القيادية والرقمية لضمان جاهزية الشباب لسوق العمل العالمي.
دعم الاستدامة… إنقاذ الأرض جزء من العمل الإنساني
لم يكن اهتمامه بالبيئة مجرد شعار؛ فقد قاد واحدة من أضخم التحولات في عالم الاستثمار عبر دعم مشاريع الطاقة النظيفة، والهيدروجين الأخضر، وتخزين الطاقة طويلة الأمد.
أطلق فينك كذلك صندوق Catalyst Fund لتمويل الابتكارات المناخية، إدراكاً منه أن إنقاذ الكوكب هو في جوهره عمل إنساني يخدم كل الأجيال القادمة.
مبادرات تمكين الفئات الضعيفة
تعاونت بلاك روك مع منظمات دولية لدعم الفئات الأكثر احتياجاً، ومن أبرزها:
- توفير برامج تأهيل وظيفي للاجئين
- تقديم دعم مالي واستشاري لمؤسسات تكافح الفقر
- دعم منظمات تعمل على تحسين حياة النساء والأطفال اقتصاديًا
هذه المبادرات ساعدت آلاف الأسر حول العالم على استعادة الاستقرار وبناء مستقبل أفضل.
دعم الفنون والثقافة
امتد اهتمام فينك إلى دعم المؤسسات الثقافية والمكتبات والمتاحف، إيماناً منه بأن المجتمع القوي هو مجتمع ينهض بالعلم والفن معاً.
لورنس فينك: مهندس رأسمالية الضمير.. تحولات النفوذ إلى أثر إنساني عالمي
إعداد: ناصر – باحث ومساهم في الموسوعة العالمية للكرم
مقدمة: إعادة تعريف الكرم في عصر تعقيد رأس المال
في الموسوعة العالمية للكرم، غالبًا ما يرتبط مفهوم العطاء بالصورة التقليدية للمحسنين الذين يراكمون الثروات في النصف الأول من حياتهم ليوزعوها في النصف الثاني عبر بناء المكتبات أو المستشفيات. ومع ذلك، يمثل لورنس دوغلاس فينك (Laurence D. Fink)، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “بلاك روك” (BlackRock)، نموذجًا حداثيًا ومعقدًا للكرم يتجاوز المفهوم التقليدي للصدقة المباشرة. إنه يمثل ما يمكن تسميته بـ “الكرم الهيكلي” (Structural Generosity)؛ حيث لا يقتصر الأثر الإنساني على التبرع بالمال فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة هندسة النظام المالي العالمي ليصبح أكثر استجابة للحاجات الإنسانية، وأكثر شمولاً للطبقات العاملة، وأكثر حرصًا على استدامة الكوكب للأجيال القادمة.
إن هذا المبحث الشامل يسعى لتفكيك الظاهرة “الفينكية” في العمل الإنساني، مستندًا إلى تحليل دقيق للوثائق المالية، والرسائل السنوية، وسجلات المؤسسات غير الربحية التي قادها. نحن هنا لا نتحدث فقط عن ملياردير يتبرع بجزء من ثروته، بل عن “رجل المال” الذي استخدم نفوذه على أصول تدير تريليونات الدولارات لفرض معايير أخلاقية واجتماعية (ESG) أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من ضمير الأسواق العالمية. من مبادرات “أمان التقاعد” التي تلامس حياة الملايين من كبار السن، إلى الدعم المباشر للأبحاث الطبية المتقدمة في جامعة نيويورك، وصولاً إلى تعزيز شبكات الأمان المالي عبر “مبادرة مدخرات الطوارئ”، يقدم فينك درسًا بليغًا في كيفية تحويل النفوذ الاقتصادي إلى رافعة للكرامة الإنسانية.1
الفصل الأول: الجذور القيمية.. من فان نويس إلى وول ستريت
1.1 التكوين الأسري: بين المثالية والواقعية
لفهم الدوافع الإنسانية العميقة التي تحرك لاري فينك، يجب العودة إلى التربة الأولى التي نبتت فيها قيمه. وُلد فينك في 2 نوفمبر 1952 في حي فان نويس (Van Nuys) بولاية كاليفورنيا، لأسرة يهودية من الطبقة المتوسطة، لم تكن تملك ثروات طائلة ولكنها كانت تكتنز قيمًا راسخة حول المسؤولية والعمل الجاد.1
شكل والداه قطبي الرحى في تكوين شخصيته الإنسانية. والدته، ليلا فينك (Lila Fink) (1930-2012)، كانت أستاذة للغة الإنجليزية، وقد زرعت فيه حب المعرفة والتحليل النقدي، وإيمانًا بأن التعليم هو الرافعة الحقيقية لأي مجتمع.1 أما والده، فريدريك فينك (Frederick Fink) (1925-2013)، فكان يملك متجرًا للأحذية. وفي هذا المتجر، تعلم لاري فينك الصغير، الذي بدأ العمل هناك في سن العاشرة، دروسًا لا تُدرس في كليات إدارة الأعمال: تعلم معنى الكدح اليومي للطبقة العاملة، وكيفية التعامل مع الجمهور، وقيمة الدولار الذي يأتي بجهد وعرق.1
في مقابلات نادرة تتناول جوانبه الشخصية، وصف فينك والديه بأنهما كانا “شخصيات استثنائية”، مشيرًا إلى ميولهما الاشتراكية وانفتاحهما الفكري، وتركيزهما الصارم على “التحصيل الأكاديمي والمسؤولية الشخصية”.4 هذه الثنائية – التوجه الاجتماعي للأم والواقعية التجارية للأب – خلقت لديه قناعة مبكرة بأن النجاح المالي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق الاستقلال والقدرة على التأثير. لقد نشأ على مبدأ أن “العطاء” ليس ترفًا، بل واجب مدني، وهو ما انعكس لاحقًا في مسيرته حيث لم يفصل بين هويته كمصرفي وهويته كفاعل خير.5
1.2 الفشل كمعلم إنساني: ولادة “العقلية الائتمانية”
كثيرًا ما تُروى قصة فينك من زاوية النجاح، لكن البعد الإنساني في مسيرته تبلور فعليًا من خلال الفشل. بعد تخرجه من جامعة كاليفورنيا (UCLA) وحصوله على ماجستير إدارة الأعمال، انضم إلى “فيرست بوسطن” (First Boston) في عام 1976، حيث حقق نجاحات باهرة في سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.1 ولكن في عام 1986، خسر القسم الذي يديره مبلغ 100 مليون دولار بسبب توقعات خاطئة لأسعار الفائدة.6
لم تكن هذه الخسارة مجرد ضربة لغروره المهني، بل كانت لحظة يقظة ضمير. أدرك فينك حينها أن سوء إدارة المخاطر لا يؤدي فقط إلى خسائر في الميزانيات، بل يهدد مدخرات الناس، ومعاشات تقاعدهم، ومستقبل عائلاتهم. هذه الصدمة ولّدت لديه ما يسميه “العقلية الائتمانية” (Fiduciary Mindset) – وهو الإيمان بأن إدارة أموال الآخرين هي “أمانة مقدسة”. هذا المفهوم، الذي يبدو تقنيًا، هو في جوهره مفهوم أخلاقي وإنساني؛ فالحفاظ على أموال الناس وتنميتها هو شكل من أشكال الرعاية الاجتماعية.2 ومن هنا، تأسست شركة “بلاك روك” ليس فقط كشركة لإدارة الأصول، بل كحصن لإدارة المخاطر، وهو ما يعتبره فينك أعظم خدمة يمكن أن يقدمها للمجتمع: توفير الأمان المالي في عالم مضطرب.
الفصل الثاني: فلسفة “رأسمالية الأطراف المعنية” كمنهج إنساني
في الموسوعة العالمية للكرم، يجب أن نخصص مساحة لمناقشة كيف يمكن للفكر الاقتصادي أن يتحول إلى أداة للخير العام. لقد استخدم لاري فينك منصته كرئيس لأكبر شركة لإدارة الأصول في العالم (تدير أكثر من 10 تريليون دولار) لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الشركات والمجتمع.
2.1 الرسائل السنوية: بيانات عالمية للضمير المؤسسي
منذ عام 2012، وفي تحول جذري في عام 2018، أصبحت رسائل فينك السنوية للرؤساء التنفيذيين بمثابة “فرمانات” أخلاقية توجه بوصلة الاقتصاد العالمي. لم يعد يطالب فقط بالعوائد المالية، بل أصبح يطالب بـ “الغاية” (Purpose).
في رسالته الشهيرة لعام 2018، كتب فينك بوضوح: “لتحقيق الازدهار بمرور الوقت، يجب على كل شركة ألا تكتفي بتقديم الأداء المالي فحسب، بل يجب أن تظهر أيضًا كيف تقدم مساهمة إيجابية للمجتمع”.7 هذا التصريح لم يكن مجرد كلام عابر، بل كان تحديًا مباشرًا لعقيدة “أولوية المساهمين” التي هيمنت لعقود. لقد جادل فينك بأن الشركة لا يمكن أن تستمر دون “رخصة اجتماعية للعمل”، وهذه الرخصة يمنحها الموظفون والمجتمعات المحلية والبيئة.
جدول 1: تطور المفاهيم الإنسانية في رسائل لاري فينك السنوية (2018-2024)
| السنة | المحور الرئيسي (Theme) | الأثر الإنساني والاجتماعي (Humanitarian Impact) | الاقتباس الجوهري |
| 2018 | الحس بالغاية (A Sense of Purpose) | ربط بقاء الشركات بمدى خدمتها للخير العام والمجتمع. |
“المجتمع يطالب بأن تخدم الشركات غاية اجتماعية.” 7 |
| 2019 | الربح والغاية | التأكيد على أن الربح لا ينفصل عن الاستقرار الاجتماعي. |
“الغاية ليست السعي الوحيد للربح، بل القوة الدافعة لتحقيقه.” 2 |
| 2020 | تغير المناخ | اعتبار الاستدامة البيئية ضرورة إنسانية لبقاء المجتمعات. |
“مخاطر المناخ هي مخاطر استثمارية.” 9 |
| 2021 | التحول نحو الصفر المئوي | الدمج الاقتصادي للطبقات المتضررة في الاقتصاد الأخضر. |
“لا توجد قضية تهم عملاءنا أكثر من تغير المناخ.” 10 |
| 2022 | رأسمالية الأطراف المعنية | الدفاع عن الرأسمالية كقوة للدمج الاجتماعي لا الإقصاء. |
“إنها ليست ‘رأسمالية مستيقظة’ (Woke)، بل رأسمالية مبنية على العلاقات المتبادلة.” 11 |
| 2024 | أمن التقاعد (Retirement Security) | معالجة “الأزمة الصامتة” لفقر الشيخوخة كقضية إنسانية. |
“نحن بحاجة إلى أن نفعل للتقاعد ما فعلناه لسوق الرهن العقاري.” 3 |
2.2 أزمة التقاعد كقضية فقر إنسانية
في أحدث تجلياته الفكرية لعام 2024، وجه فينك بوصلته نحو ما أسماه “أزمة التقاعد”. مستحضرًا قصة والديه اللذين عملا لمدة 50 عامًا واعتمدوا على أسواق المال لتأمين كرامتهم في شيخوختهم، طرح فينك قضية التقاعد باعتبارها التحدي الإنساني الأكبر في القرن الحادي والعشرين.3
إن رؤية فينك هنا تتجاوز الاستثمار؛ إنها رؤية إنسانية عميقة تهدف إلى حماية كبار السن من الفقر. مع تراجع معاشات التقاعد التقليدية (Defined Benefit)، أصبح العمال مكشوفين ماليًا. يجادل فينك بأن الأسواق المالية يجب أن يتم “دمقرطتها” لانتشال الطبقة العاملة من الخوف من المستقبل، مصرحًا: “لا توجد قوة أخرى يمكنها انتشال المزيد من الناس من الفقر أو تحسين نوعية الحياة تمامًا مثل الرأسمالية”.3 هذا الطرح يعيد تعريف العمل المالي كأداة للتحرير الاقتصادي والكرامة الإنسانية.
الفصل الثالث: الريادة المؤسسية.. حوكمة العمل الخيري في نيويورك
لا يكتفي لاري فينك بالتنظير، بل ينزل إلى الميدان عبر قيادته لبعض أهم المؤسسات الخيرية في الولايات المتحدة. يتميز أسلوبه في هذه المؤسسات بدمج الصرامة المالية مع العاطفة الإنسانية، مما يضمن أن كل دولار يتم التبرع به يحقق أقصى عائد اجتماعي ممكن.
3.1 مؤسسة روبن هود (Robin Hood Foundation): محاربة الفقر بالأرقام
خدم فينك لسنوات في مجلس إدارة مؤسسة روبن هود، وهي منظمة فريدة من نوعها في نيويورك تُعرف بلقب “غولدمان ساكس العمل الخيري” نظرًا لنهجها القائم على البيانات في مكافحة الفقر.2 الميزة الجوهرية لهذه المؤسسة هي أن مجلس إدارتها (الذي ضم فينك وعمالقة صناديق التحوط مثل بول تيودور جونز) يتكفل بتغطية 100% من التكاليف الإدارية والتشغيلية، مما يضمن أن تذهب تبرعات الجمهور بالكامل وبنسبة 100% مباشرة إلى البرامج الميدانية للفقراء.12
خلال فترة ولايته، وخصوصًا في الفترة الحرجة (2017-2018)، ساهم فينك في توجيه المؤسسة نحو توسيع نطاق تأثيرها. تركز المؤسسة على تمويل بنوك الطعام، وبرامج التدريب الوظيفي، ومبادرات الإسكان، بشرط أن تثبت هذه البرامج نجاحها بمقاييس دقيقة.
-
الأثر الملموس: في عام 2017 وحده، ساعدت المؤسسة في نقل آلاف الأسر من الملاجئ إلى مساكن دائمة، وقدمت مساعدات قانونية لمنع الإخلاء القسري، ونفذت 94 مشروعًا للمساعدة الإدارية للشركاء المجتمعيين لضمان كفاءتهم.13
-
حشد النخبة: ساهم وجود فينك في جذب نخبة المال في وول ستريت لدعم الفقراء، حيث تحول الحفل السنوي للمؤسسة إلى أكبر حدث خيري في نيويورك، ونجح في إحدى السنوات في جمع أكثر من 101 مليون دولار في ليلة واحدة، وهو رقم قياسي يعكس قدرة فينك على حشد الموارد لخدمة القضايا الإنسانية.14
3.2 مركز “إن واي يو لانغون” الطبي (NYU Langone Health): ثورة في الرعاية الصحية
لعل الأثر المؤسسي الأبرز لفينك يكمن في دوره كرئيس مشارك لمجلس أمناء مركز “إن واي يو لانغون” الطبي (NYU Langone Health).15 تحت قيادته وبالشراكة مع كينيث لانغون، تحول هذا المركز الطبي من مؤسسة تعاني من تحديات إلى واحد من أرقى مراكز الأبحاث والعلاج في العالم.
-
كرة البنفسج (The Violet Ball): يترأس فينك الحفل السنوي لجمع التبرعات المسمى “كرة البنفسج”. في عام 2017، جمع الحفل أكثر من 5.2 مليون دولار في أمسية واحدة.17 وفي عام 2019، احتفل المركز بجمع تبرعات تراكمية تحويلية بلغت 2 مليار دولار، وهي أموال تم توجيهها لتوسيع البنية التحتية البحثية والعلاجية.18
-
صندوق لوري فينك لابتكار سرطان الثدي: لم يكتفِ فينك بجمع الأموال من الآخرين، بل قدم هو وزوجته “لوري فينك” تبرعات تأسيسية ضخمة. أنشأ الزوجان “صندوق لوري فينك لابتكار سرطان الثدي” (Lori Fink Breast Cancer Innovation Fund) في مركز بيرلموتر للسرطان.18 صُمم هذا الصندوق ليكون “محفزًا” (Catalytic)، حيث يمول الأبحاث الجريئة والمبتكرة في مجالات العلاج المناعي وعلم الوراثة، والتي قد لا تجد تمويلاً من المصادر التقليدية.19
-
التوسع المجتمعي: يُحسب لفينك دعمه لتوسع المركز الطبي لخدمة المجتمعات الفقيرة والمتنوعة في نيويورك، بما في ذلك تطوير مركز للسرطان في مستشفى وودهول (Woodhull) لخدمة ذوي الدخل المنخفض، مؤكدًا أن الرعاية الصحية الممتازة حق للجميع وليست حكرًا على الأثرياء.20
3.3 المتحف للفن الحديث (MoMA) والكرم الثقافي
يؤمن فينك بأن الثقافة والفنون هي غذاء الروح وضرورة لصحة المجتمع، لذا فهو عضو نشط في مجلس أمناء متحف الفن الحديث (MoMA).15 تظهر السجلات المالية لمؤسسته العائلية دعمًا سنويًا ثابتًا للمتحف يتراوح بين 150,000 و 175,000 دولار، مما يساهم في الحفاظ على التراث الفني العالمي وإتاحته للجمهور.22
الفصل الرابع: مؤسسة عائلة فينك.. تحليل مجهري للعطاء الشخصي
بينما يدعو فينك الشركات الكبرى للمسؤولية الاجتماعية، يمارس هو شخصيًا العطاء عبر مؤسسة عائلة فينك (The Fink Family Foundation). يكشف تحليل الإقرارات الضريبية (Form 990-PF) للمؤسسة عن نهج استراتيجي دقيق، بعيد عن العشوائية، يركز على “الاستثمار” في المجتمع.
4.1 النظرة المالية والنمو
وفقًا لأحدث البيانات (السنوات المالية المنتهية في 2023 وتقديرات 2024)، تمتلك المؤسسة أصولًا تقدر بحوالي 25.3 مليون دولار.22 الملاحظ الجدير بالذكر أن المؤسسة تعمل بصفر مصاريف تعويضات لمدرائها (لاري ولوري فينك)، مما يعني أن الأموال تذهب بالكامل تقريبًا للمنح والمستفيدين.23
جدول 2: لمحة مالية عن مؤسسة عائلة فينك (2019-2023)
| السنة المالية | إجمالي الأصول | إجمالي المنح المدفوعة | الاتجاه الملحوظ |
| 2023 |
~25.3 مليون دولار 22 |
~752,800 دولار 22 |
تركيز مستمر على الصحة والفنون |
| 2022 |
~14.7 مليون دولار 24 |
~1.61 مليون دولار 24 |
قفزة في العطاء بعد الجائحة |
| 2021 | غير متاح |
~1.71 مليون دولار 24 |
معدل صرف مرتفع لدعم التعافي |
| 2019 | غير متاح |
~1.21 مليون دولار 24 |
نمو مطرد في المنح السنوية |
تحليل: القفزة الكبيرة في الأصول من 14.7 مليون دولار في 2022 إلى 25.3 مليون دولار في 2024 تشير إلى ضخ رأس مال إضافي أو نجاح استثماري كبير، مما يهيئ المؤسسة لدور أكبر في المستقبل.22
4.2 مجالات التركيز والمستفيدون الرئيسيون
يتوزع عطاء المؤسسة في ثلاثة مسارات رئيسية: المرونة المجتمعية المحلية، الحفظ البيئي، والمؤسسات الصحية والثقافية الكبرى.
-
المرونة المجتمعية (شمال سالم – North Salem): يمتلك آل فينك مزرعة في منطقة نورث سالم بنيويورك، وهم مرتبطون عضويًا بهذا المجتمع المحلي.
-
إسعاف شمال سالم التطوعي (North Salem Volunteer Ambulance): قدمت المؤسسة منحة ضخمة بقيمة 300,000 دولار في عام 2024.22 هذا الدعم يعكس اهتمامًا مباشرًا بالخدمات الحيوية التي تنقذ الأرواح في مجتمعهم المحلي، بعيدًا عن أضواء الإعلام.
-
إنقاذ الخيول (13 Hands Equine Rescue): منحة أصغر بقيمة 52,800 دولار تعكس اهتمام العائلة بالرفق بالحيوان والحفاظ على الطابع الريفي للمنطقة.22
-
-
المؤسسات الكبرى (نيويورك):
-
مستشفيات جامعة نيويورك (NYU Langone): منح سنوية تتراوح بين 100,000 و 625,000 دولار تدعم المبادرات الطبية التي تم ذكرها سابقًا.22
-
مجلس العلاقات الخارجية (CFR): منح بقيمة 100,000 دولار لدعم الحوار الدولي والسياسات.22
-
-
الأنظمة البيئية والغذائية:
-
مبادرة الجزيرة المزروعة (Island Grown Initiative): منح تتراوح بين 30,000 و 125,000 دولار لدعم أنظمة الغذاء المستدام والسماد، مما يعزز الأمن الغذائي المحلي.26
-
إيرث جاستيس (Earthjustice) والصندوق العالمي للحياة البرية (WWF): منح سنوية بقيمة 100,000 دولار للدفاع القانوني عن البيئة وحماية التنوع البيولوجي.26
-
BiodiversityWorks: منح لدعم مراقبة الحياة البرية ومرونة الموائل الطبيعية.26
-
4.3 تأثير “لوري فينك”
تدار المؤسسة بشراكة وثيقة مع زوجته، لوري فينك.22 يشير نمط العطاء إلى دور قيادي للوري في المبادرات الطبية والمتعلقة بالسرطان. إن دورها كرئيسة للمجلس الاستشاري للسرطان في NYU Langone يكمل دور لاري كرئيس مشارك للأمناء، مما يخلق ديناميكية “الزوجين القادة” التي تدفع الرؤية الاستراتيجية للمؤسسات التي يدعمونها.19
الفصل الخامس: الابتكار المنهجي.. مبادرة مدخرات الطوارئ (ESI)
أحد أعمق الأمثلة على استخدام فينك لنفوذه المؤسسي لأغراض إنسانية بحتة هو مبادرة بلاك روك لمدخرات الطوارئ (BlackRock Emergency Savings Initiative – ESI). هذه المبادرة، التي أُطلقت في عام 2019، لم تكن تبرعًا خيريًا تقليديًا، بل كانت تدخلاً هيكليًا مصممًا لإصلاح خلل في الحياة المالية للأمريكيين ذوي الدخل المنخفض.
5.1 الالتزام المالي بـ 50 مليون دولار
استجابةً لبيانات الاحتياطي الفيدرالي التي أظهرت أن 40% من الأمريكيين لا يستطيعون تغطية نفقات طارئة بقيمة 400 دولار دون الاقتراض، التزمت بلاك روك بتقديم 50 مليون دولار من رأس المال الخيري لمعالجة هذه الهشاشة.27 قاد فريق التأثير الاجتماعي في الشركة هذه المبادرة، ليس كعمل جانبي، بل كمهمة أساسية.
5.2 الشراكات الاستراتيجية وآلية العمل
بدلاً من مجرد توزيع النقد، دخلت المبادرة في شراكات مع ثلاث منظمات غير ربحية رائدة: Common Cents Lab، وCommonwealth، وFinancial Health Network.29 كان الهدف هو ابتكار منتجات مالية جديدة تشجع على الادخار بين الطبقة العاملة.
-
شراكة ADP: عملت المبادرة مع شركة ADP (التي تعالج رواتب 1 من كل 6 أمريكيين) لدمج أدوات الادخار مباشرة في أنظمة الرواتب. أدى ذلك إلى توليد 1.55 مليار دولار من المدخرات الجديدة للعمال.30
-
شراكة UPS: من خلال تعديل تصميم خطة التقاعد (401k) للسماح بمدخرات الطوارئ بعد خصم الضرائب، شهدت شركة UPS زيادة بنسبة 40% في المشاركة و 15 مليون دولار في المساهمات.30
-
حساب التوفير الجانبي (Sidecar): روجت المبادرة لمفهوم “الحساب الجانبي” للطوارئ الملحق بحسابات التقاعد، وهو ابتكار سياسي تم تبنيه وتوسيع نطاقه لاحقًا من قبل الكونغرس الأمريكي في قانون SECURE 2.0 لعام 2022.31
5.3 الأثر الإنساني الواسع
إن حجم تأثير هذه المبادرة مذهل. ساعد البرنامج أكثر من 10 ملايين شخص على إنشاء أكثر من 2 مليار دولار من المدخرات السائلة.31 هذا يخلق حاجزًا ماليًا يمنع الأسر من الانزلاق إلى التشرد أو دوامة الديون عند مواجهة طوارئ طبية أو تعطل السيارة. هذا هو جوهر فلسفة فينك: استخدام البنية التحتية للنظام المالي لحل أزمة إنسانية تعجز الجمعيات الخيرية التقليدية عن حلها بمفردها.
الفصل السادس: التعليم وبناء قادة المستقبل
ينبع التزام فينك بالتعليم من مهنة والدته وإيمانه بأن رأس المال البشري هو المورد الأهم.
6.1 مركز فينك للتمويل والاستثمار في جامعة كاليفورنيا (UCLA)
حافظ فينك على صلة وثيقة بجامعته الأم، UCLA. في عام 2008، تبرع هو وزوجته بمبلغ 10 ملايين دولار لكلية أندرسون للإدارة لإنشاء مركز لورنس ولوري فينك للتمويل والاستثمار.33
-
الهدف الإنساني: صُمم المركز لسد الفجوة بين النظرية الأكاديمية والممارسة المالية. إنه يمول زمالات الدكتوراه والماجستير، ويدعم الجيل القادم من القادة الماليين.33 يرى فينك أن محو الأمية المالية والإدارة الكفؤة هي خطوط دفاع ضد الفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي.34
-
التقدير: في عام 2016، مُنح فينك ميدالية UCLA، وهي أرفع وسام تمنحه الجامعة، تقديرًا لـ “مواطنته الملتزمة وقيادته الخيرية”.35
6.2 دعم المواهب المتنوعة
وجه فينك موارد بلاك روك ومؤسسته لدعم التنوع في الصناعة المالية. من خلال مركز فينك والبرامج الداخلية، هناك جهد منسق لتقديم منح دراسية ومسارات للأقليات الممثلة تمثيلاً ناقصًا، معتبرًا أن الإدماج الاقتصادي هو قضية عدالة اجتماعية بقدر ما هو ضرورة اقتصادية.10
الفصل السابع: الإنسانية البيئية.. المناخ كقضية حياة
في حين تُصنف غالبًا تحت بند “الحوكمة البيئية والاجتماعية” (ESG)، فإن تركيز فينك على تغير المناخ هو في جوهره اهتمام إنساني. هو يجادل بأن مخاطر المناخ تهدد المجتمعات، والإسكان، والأمن الغذائي.
7.1 الموقف المناخي كدفاع عن البشر
في رسالته لعام 2020، أعاد فينك تشكيل أسواق المال العالمية بإعلانه أن “مخاطر المناخ هي مخاطر استثمارية”.9 التزمت بلاك روك بالتصويت ضد مجالس الإدارة التي تفشل في الإفصاح عن المخاطر المناخية.
-
المنطق الإنساني: من خلال إجبار الشركات على تقليل الانبعاثات، يحاول فينك التخفيف من الآثار البشرية الكارثية لتغير المناخ – كالفيضانات والحرائق والنزوح – التي تؤثر بشكل غير متناسب على الفقراء.11
-
الدعم الميداني: تدعم الأعمال الخيرية لبلاك روك منظمات مثل One Tree Planted (لإعادة التشجير) و جمعية الحفاظ على الحياة البرية (WCS)، رابطةً بين السياسة المالية والترميم البيئي المباشر.36
7.2 الانتقال العادل: الجدل والتوازن
واجه موقف فينك انتقادات من الجانبين؛ نشطاء البيئة طالبوه بسحب الاستثمارات فورًا من الوقود الأحفوري 1، بينما هاجمه المحافظون بدعوى “الرأسمالية المستيقظة”.37
لكن فينك يحافظ على فلسفة “الانتقال العادل” (Just Transition). هو يجادل بأن سحب الاستثمارات بسرعة من النفط والغاز يرفع أسعار الطاقة، مما يضر بالفقراء أكثر من غيرهم. نهجه هو الانخراط (Engagement) مع الشركات لمساعدتها على التحول، وهي استراتيجية يراها أكثر إنسانية ومنطقية من الناحية الاقتصادية من مجرد المقاطعة.11
الفصل الثامن: البعد الجيوسياسي والأثر العالمي
يمتد تأثير فينك خارج حدود الولايات المتحدة، متفاعلاً مع القضايا الإنسانية العالمية من منظور التنمية الاقتصادية.
8.1 جائزة نداء الضمير (Appeal of Conscience)
في عام 2015، حصل فينك على جائزة نداء الضمير من مؤسسة “نداء الضمير”، وهي منظمة مشتركة بين الأديان مكرسة للحرية الدينية وحقوق الإنسان.39
-
حيثيات التكريم: كرم الحاخام آرثر شناير فينك لـ “نزاهته وعطائه المستمر”، مشيرًا بشكل خاص إلى التزامه باستخدام نفوذ بلاك روك “لخلق تأثير إيجابي في المجتمع العالمي”.39
-
القبول: في خطابه، أكد فينك أن الصناعة المالية تتحمل “مسؤولية عميقة” تمتد إلى ما وراء المساهمين لتشمل الموظفين والمجتمع ككل.39
8.2 الشرق الأوسط والتنمية
لعب فينك دورًا في التحديث الاقتصادي للشرق الأوسط، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. يرى فينك أن الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) هو أداة للتحديث والاستقرار.
-
التمكين الاقتصادي: من خلال المساعدة في تطوير أسواق رأس المال المحلية (مثل الشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة)، يجادل فينك بأنه يساعد في تنويع الاقتصادات بعيدًا عن النفط وخلق فرص عمل للشباب في المنطقة.41
-
أبوظبي: دافع عن أبوظبي كمركز لرأس المال العالمي، مركزًا على “الذكاء الاصطناعي وإزالة الكربون”، مما يدمج المنطقة في اقتصاد المستقبل بدلاً من تركها تعتمد على صناعات الطاقة التقليدية.43
خاتمة: إرث الضمير في عالم المال
يمثل لورنس د. فينك تحولًا نوعيًا في تاريخ الكرم. إذا كان المحسنون التقليديون يبنون المكتبات، فإن فينك يبني “أنظمة”. إن نموذجه ديناميكي، ومتكامل، وهيكلي. هو لا يرى أن “فعل الخير” منفصل عن “إدارة الأعمال”.
يمكن تلخيص مساهماته في الموسوعة العالمية للكرم في ثلاث ركائز:
-
المساهمة الفكرية: غيّر بشكل جذري خطاب الرأسمالية العالمية، مشرعًا “الغاية” كرفيق ضروري لـ “الربح”.
-
المساهمة الهيكلية: من خلال مبادرة مدخرات الطوارئ وصندوق لوري فينك للسرطان، أنشأ آليات تستمر في تحقيق عوائد اجتماعية مستقلة عن تدخله اليومي.
-
المساهمة الحوكمية: رفعت إدارته لمؤسسة روبن هود و NYU Langone المعايير لكيفية عمل المنظمات غير الربحية، مطالبًا بنفس الصرامة في إنقاذ الأرواح كما يطالب بها في إدارة الأصول.
تخبرنا سيرة فينك أن أعظم عمل خيري يمكن أن يقوم به رجل مال ليس مجرد كتابة شيك، بل ضمان أن يعمل النظام المالي العالمي نفسه كمحرك للأمان والكرامة والفرص للجميع، وليس ككازينو للقلة. وكما قال في لحظة تسلمه لجائزة نداء الضمير: “لدينا جميعًا مسؤولية عميقة تجاه بعضنا البعض”.39 هذه هي القاعدة الذهبية التي سعى لاري فينك لتشفيرها في الحمض النووي لأسواق المال العالمية.
جدول تفصيلي: الكيانات الخيرية والإنسانية التي يدعمها لاري فينك
| الكيان (Entity) | الدور/العلاقة | مجال التركيز | المساهمة الرئيسية/المنحة |
| مؤسسة عائلة فينك | مؤسس/أمين | العمل الخيري العائلي |
أصول ~25.3 مليون دولار؛ منح سنوية ~750 ألف – 1.7 مليون دولار 22 |
| NYU Langone Health | رئيس مشارك لمجلس الأمناء | الصحة والبحوث |
تأسيس صندوق لوري فينك لابتكار سرطان الثدي؛ قيادة حملة جمع 2 مليار دولار 18 |
| مؤسسة روبن هود | عضو مجلس إدارة (سابق) | مكافحة الفقر |
حوكمة التبرعات؛ مقاييس الفقر؛ عطاء شخصي كبير 2 |
| كلية أندرسون (UCLA) | متبرع/خريج | التعليم |
وقف بقيمة 10 ملايين دولار لمركز فينك للتمويل 33 |
| متحف الفن الحديث (MoMA) | أمين (Trustee) | الفنون والثقافة |
منح سنوية تتراوح بين 150,000 – 175,000 دولار 22 |
| إسعاف نورث سالم | متبرع | المجتمع المحلي |
منحة 300,000 دولار (2024) لخدمات الطوارئ 25 |
| مؤسسة بلاك روك | قائد مؤسسي | التأثير الاجتماعي |
مبادرة مدخرات الطوارئ (50 مليون دولار)؛ العمل الخيري المناخي 27 |
| نداء الضمير (Appeal of Conscience) | مُكَرَّم | حقوق الإنسان |
تعزيز مسؤولية الشركات في حقوق الإنسان والحريات 39 |
| Island Grown Initiative | متبرع | الأمن الغذائي |
منح لأنظمة الغذاء المستدام والسماد العضوي 26 |
نهاية المبحث.

