الموسوعة العالمية للكرم: دراسة استقصائية شاملة في معايير العطاء عبر العصور
بحث وإعداد: ناصر السلمان مؤسس الموسوعة العالمية للكرم
مقدمة: في رحاب العطاء وبوصلة الخلود
إن البحث في مفهوم “الكرم” ضمن سياق مشروع “الموسوعة العالمية للكرم” يستدعي تفكيكاً عميقاً للبنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي شكلت هذا السلوك البشري عبر التاريخ. لم يكن الكرم يوماً مجرد عملية نقل للأصول المالية أو العينية من الغني إلى الفقير، بل هو “عقد اجتماعي” معقد، ولغة عالمية تتجاوز الحدود والأعراق، وموقفٌ بطولي ينتصر فيه الإنسان على “أنا” التملك لصالح “نحن” الإنسانية.
تهدف هذه الدراسة الشاملة إلى وضع الأساس النظري والتطبيقي للموسوعة، من خلال استقراء سير العمالقة الذين شكلوا الوعي الجمعي لمفهوم العطاء. وانطلاقاً من هذه الرؤية، كان لزاماً علينا أن نضع “مسطرة معيارية” دقيقة ، تفرز الغث من السمين، وتميز بين “الإنفاق” العادي و”الجود” الاستثنائي الذي يغير مجرى التاريخ.
تنويه منهجي هام:
تجدر الإشارة إلى نقطة بالغة الأهمية في منهجية هذا البحث؛ إن استحضارنا لأسماء لامعة وسرد قصصهم الملهمة في السطور القادمة، لم يكن بقصد الحصر، ولا لتفضيل شخصٍ بعينه أو تمييز زمنٍ على آخر. إنما جاء ذكرهم بصفتهم “أمثلة حية” و”شواهد تطبيقية” (Case Studies) ساعدتنا على تحويل مفهوم الكرم المجرد إلى معايير ملموسة قابلة للقياس. هم ليسوا حدود هذه الموسوعة، بل هم النماذج التي استلهمنا منها القواعد، والباب مفتوح لكل من حقق هذه المعايير كائناً من كان.
أولاً: تطور مفهوم الكرم.. من الفطرة إلى المؤسسة
لفهم المعايير، يجب أن نمر سريعاً على التحولات التاريخية التي صاغت هذا المفهوم:
1. التأسيس الروحي (الجيل الأول):
لا يمكن تأسيس فهم عالمي للكرم دون العودة للنموذج النبوي سيد الكرماء النبي محمد ﷺ الذي حول العطاء من “قرار” إلى “طبع” يرفض تراكم الثروة ولنا في قصة التابعي كعبد الله بن جعفر (رضي الله عنه) خير مثال على “جمالية العطاء” و”الإيثار الجذري”، حيث كان العطاء مصدراً للسرور لا للألم.
2. دراسة انسان الصحراء (قانون الحماية):
في البيئة القاسية، خرج الكرم من دائرة الفضيلة ليصبح واجباً وجودياً. رأينا حاتم الطائي يذبح “الأصل الرأسمالي” (الناقة) لإطعام ضيف، ورأينا شيوخ القبائل كابن مهيد والجربا يحولون الكرم إلى منظومة “أمن اجتماعي” و”حماية سياسية” للضيف واللاجئ.
3. الكرم المؤسسي والاستراتيجي (الدولة الحديثة):
مع نشوء الدول الحديثة، تحول الكرم إلى “دبلوماسية إنسانية”. تجلى ذلك في “الاستجابة العابرة للحدود” لدى المملكة العربية السعودية (مركز الملك سلمان للإغاثة)، و”الاستدامة التنموية” لدى دولة الإمارات (إرث الشيخ زايد). كما تطور لدى الأفراد ليصبح علماً قائماً على البيانات والأثر كما نرى في أوقاف الراجحي ومؤسسات العطاء العالمية الحديثة.
ثانياً: الميثاق العالمي للكرم (المعايير العشرون)
بناءً على هذا الاستقراء التاريخي، نضع بين أيديكم “المسطرة المعيارية” المكونة من (20) معياراً، والتي تمثل بوابة الدخول للموسوعة العالمية للكرم. تنقسم هذه المعايير إلى أربعة أبعاد رئيسية:
البعد الأول: النفس والروح (المعايير الذاتية)
يركز على الحالة الشعورية للمانح وتجرده:
-
الإيثار الجذري: العطاء في حالة الحاجة والخصاصة، والتضحية بالقوت الضروري.
-
السرور بالعطاء: أن تسبق بشاشة المانح عطاء يده، مزيلةً مذلة السؤال.
-
التجرد من الملكية: التعامل مع المال كوديعة مؤقتة، والراحة النفسية عند خروجه.
-
التواضع والانغماس: كسر الحواجز الطبقية، ومخالطة المستفيدين في بيئتهم وطعامهم.
-
المبادرة والاستباق: تلمس حاجات الناس والعطاء قبل الطلب لحفظ ماء الوجه.
البعد الثاني: الأصول والأثر (المعايير الاقتصادية)
يركز على نوعية المال وكفاءة استخدامه:
6. التضحية بالأصول: التبرع بـ “رأس المال المنتج” (أرض، مصنع، وقف) وليس فقط من الفائض.
7. الاستدامة المؤسسية: تحويل العطاء إلى كيان قانوني مستمر لا يموت بموت صاحبه.
8. الشمولية العالمية: العطاء للإنسان المجرد، عابراً للحدود والأديان والأعراق.
9. الفعالية وحل الجذور: استهداف جذور المشكلة (كالتعليم والصحة) لا أعراضها فقط.
10. الشفافية والحوكمة: وجود أنظمة تدقيق تضمن وصول المال لمستحقيه وتمنع الهدر.
البعد الثالث: المخاطر والسياق (المعايير الظرفية)
يركز على توقيت العطاء وظروفه الصعبة:
11. الحماية والأمان: توفير المأوى والحماية الأمنية للمستفيد (اللجوء) بجانب الإطعام.
12. الجبر والتعويض: تعويض الملهوف عن خسائره ليعود لوضعه الطبيعي (تأمين تكافلي).
13. المخاطرة بالنفس: العمل الميداني في مناطق الأوبئة والحروب والكوارث.
14. الاستجابة الفورية: تلبية النداء فوراً وإلغاء البيروقراطية في حالات الطوارئ.
15. العطاء في العسر: الجود في سنوات القحط والأزمات الاقتصادية حيث تتضاعف قيمة المال.
البعد الرابع: الابتكار والقيم (المعايير القيادية)
يركز على القيمة المضافة والأسلوب:
16. الابتكار النوعي: ابتكار حلول غير تقليدية (طبية، تقنية) لمشاكل إنسانية معقدة.
17. الكرم الدبلوماسي: استخدام العطاء لتأليف القلوب، إنهاء النزاعات، وتحويل العدو لصديق.
18. القيادة بالتنافس: خلق حراك مجتمعي وبيئة تنافسية في الخير (سن سنة حسنة).
19. الزهد في الشهرة: تفضيل صدقة السر، وعدم الإعلان إلا لمصلحة الاقتداء العام.
20. التمكين والتحرير: العطاء الذي ينقل المستفيد من التبعية والديون إلى الحرية والاستقلال.
إن “الموسوعة العالمية للكرم” ليست مجرد أرشيف للماضي، بل هي دعوة للمستقبل. إن المعايير العشرين التي صغناها تمثل خلاصة التجربة البشرية في محاولة التغلب على الأنانية. وتؤكد الدراسة أن “النجم الحقيقي” الذي يستحق التخليد في هذه الموسوعة هو من يدرك أن ما ينفقه هو الوحيد الذي يملكه حقاً، وأن الخلود لا يُكتب بالحبر، بل بأثر العطاء في حياة الآخرين.
ندعو القائمين والمهتمين لاعتماد هذه المنهجية العلمية، لضمان أن تكون الأسماء المدرجة في الموسوعة قد اجتازت “اختبار القيم”، لتكون قدوة للأجيال القادمة في عالم أحوج ما يكون اليوم إلى إعادة اكتشاف معنى “الكرم”.
أولاً: أبعاد النفس والروح (المعايير الذاتية)
تركز هذه المجموعة على الحالة الشعورية والروحية للمانح أثناء عملية العطاء.
| # | المعيار | الشرح والتفصيل | النموذج المرجعي |
| 1 | الإيثار الجذري | أن يؤثر المانح الآخرين على نفسه وهو في أشد الحاجة والخصاصة، مضحياً بقوته الضروري وليس بالفائض. | عبد الله بن جعفر، الأنصار. |
| 2 | السرور بالعطاء | أن يظهر المانح فرحاً وبشاشة تفوق فرح الآخذ، مما يزيل “مذلة السؤال” ويجعل العطاء فعلاً جمالياً. | فلسفة آل نهيان، عبد الله بن جعفر. |
| 3 | التجرد من الملكية | اعتبار المال وديعة مؤقتة، وعدم الشعور بالألم عند خروجه، بل الشعور بالراحة النفسية للتخفيف من أعباء الاكتناز. | النبي ﷺ (حديث الذهب)، الجربا (أبو خوذة). |
| 4 | التواضع والانغماس | مخالطة المستفيدين، الأكل معهم، وكسر الحواجز الطبقية والاجتماعية أثناء تقديم العطاء. | عبد الرحمن السميط (أكل المديدة). |
| 5 | المبادرة والاستباق | البحث عن المحتاج قبل أن يسأل، وعدم انتظار الطلب لحفظ ماء وجه المستفيد. | ابن مهيد (المصوت بالعشاء). |
ثانياً: أبعاد الأصول والأثر (المعايير الاقتصادية)
تركز هذه المجموعة على نوعية المال المقدم وأثره المستدام.
| # | المعيار | الشرح والتفصيل | النموذج المرجعي |
| 6 | التضحية بالأصول | التبرع بـ “رأس المال” المنتج (مثل الأرض، المصنع، الناقة الحلوب) وليس الاكتفاء بالتبرع من “فائض الدخل”. | حاتم الطائي، الراجحي، وارن بافيت. |
| 7 | الاستدامة المؤسسية | تحويل الكرم من فعل فردي مؤقت إلى كيان قانوني (وقف، مؤسسة) يستمر أثره وتدفق خيره بعد وفاة المانح. | أوقاف الراجحي، مؤسسة غيتس. |
| 8 | الشمولية العالمية | توجيه العطاء للإنسان المجرد، عابراً للحدود الجغرافية، الانتماءات الدينية، والأعراق. | الشيخ زايد، مركز الملك سلمان. |
| 9 | الفعالية وحل الجذور | توجيه المال لحل جذور المشكلة (التعليم، الصحة، التمكين) بدلاً من الحلول الترقيعية المؤقتة. | بيل غيتس (التطعيمات)، السميط (التعليم). |
| 10 | الشفافية والحوكمة | وجود أنظمة تدقيق مالي ومراقبة صارمة لضمان وصول المال لمستحقيه ومنع الهدر أو الفساد. | المؤسسات الخيرية الحديثة المانحة. |
ثالثاً: أبعاد المخاطر والسياق (المعايير الظرفية)
تتعلق هذه المعايير بالسياق الذي يتم فيه العطاء، والمخاطر التي يتحملها المانح.
| # | المعيار | الشرح والتفصيل | النموذج المرجعي |
| 11 | الحماية والأمان | أن يشمل الكرم توفير الأمن والحماية للمستفيد (اللجوء السياسي أو الاجتماعي) وليس فقط الإطعام. | ابن مهيد (قانون حماية الـ 3 أيام). |
| 12 | الجبر والتعويض | تعويض الملهوف عن خسائره ليعود لوضعه الطبيعي (بمثابة تأمين اجتماعي أهلي). | خلف بن دعيجا (تعويض التاجر). |
| 13 | المخاطرة بالنفس | العمل الميداني في مناطق الأوبئة، الحروب، والكوارث، والمخاطرة بالحياة لأجل إيصال الخير. | د. عبد الرحمن السميط. |
| 14 | الاستجابة الفورية | إلغاء البيروقراطية، وتلبية النداء فوراً دون تعقيد (العمل بنظام الطوارئ). | الجربا (خوذة)، الاستجابة للكوارث. |
| 15 | العطاء في العسر | الجود في أوقات الأزمات الاقتصادية والمجاعات (سنوات القحط)، حيث تكون قيمة المال مضاعفة. | حاتم الطائي (سنة الجوع). |
رابعاً: أبعاد الابتكار والقيم (المعايير القيادية)
تركز على القيمة المضافة والأسلوب القيادي في العطاء.
| # | المعيار | الشرح والتفصيل | النموذج المرجعي |
| 16 | الابتكار النوعي | ابتكار حلول غير تقليدية وفريدة لمشاكل معقدة (مثل العمليات الجراحية الدقيقة أو التمويل الأصغر). | الملك سلمان (فصل التوائم). |
| 17 | الكرم الدبلوماسي | استخدام الكرم كأداة استراتيجية لإنهاء النزاعات، تأليف القلوب، وحقن الدماء وتحويل العدو لصديق. | النبي ﷺ (غزوة حنين). |
| 18 | القيادة بالتنافس | خلق بيئة تنافسية تحفز المجتمع كله على العطاء، وسن “سنة حسنة” يقتدي بها الآخرون. | تنافس الصحابة، “تعهد العطاء” العالمي. |
| 19 | الزهد في الشهرة | القدرة على إخفاء العطاء (صدقة السر) وتجنب الأضواء، إلا إذا كان الإعلان لمصلحة الاقتداء العام. | المتبرعون المجهولون. |
| 20 | التمكين والتحرير | نقل المستفيد من حالة العبودية (بمعناها الحقيقي أو الاقتصادي كالديون) إلى فضاء الحرية والاستقلال. | عبد الله بن جعفر (عتق الرقاب). |
شرح كامل لما سبق من معاير
إن البحث في مفهوم “الكرم” ضمن سياق “الموسوعة العالمية للكرم” يستدعي تفكيكاً عميقاً للبنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي شكلت هذا السلوك البشري عبر التاريخ. لم يكن الكرم يوماً مجرد عملية نقل للأصول المالية أو العينية من الغني إلى الفقير، بل هو “عقد اجتماعي” معقد، تطور من كونه آلية للبقاء في الصحاري العربية القاسية، ليصبح أداة للدبلوماسية الناعمة في الدول الحديثة، ومنهجاً علمياً لإدارة الثروات في عصر العولمة.
تهدف هذه الدراسة البحثية الشاملة إلى وضع الأساس النظري والتطبيقي للموسوعة العالمية للكرم، من خلال استقراء سير العمالقة الذين شكلوا الوعي الجمعي لمفهوم العطاء. سننتقل في تحليلنا من “الكرم الفطري” لدى الصحابة وشيوخ القبائل، إلى “الكرم المؤسسي” لدى قادة دول الخليج، وصولاً إلى “الكرم الاستراتيجي” لدى رواد الأعمال العالميين. هذا التدرج التاريخي سيمكننا من استخلاص (20) معياراً عالمياً صارماً يشكل “المسطرة المعيارية” لاختيار نجوم هذه الموسوعة.
الفصل الأول: المعيار النبوي والجيل الأول.. التأسيس الروحي والميتافيزيقي للكرم
1.1 نبي الرحمة محمد ﷺ: النموذج المعياري للكمال الإنساني
لا يمكن تأسيس أي فهم عالمي للكرم دون العودة إلى النموذج المحمدي الذي صاغ المفهوم الإسلامي للعطاء، والذي يتجاوز المادية إلى الروحانية المطلقة. إن السير والآثار تشير بوضوح إلى أن النبي محمد ﷺ كان “أجود الناس”، وتزداد جودته في مواسم معينة مثل رمضان، حيث وصف بأنه “أجود بالخير من الريح المرسلة”.1
فلسفة “التدفق السريع للثروة”
تتجلى عبقرية الكرم النبوي في التعامل مع “زمن بقاء المال”. في الحديث الصحيح، صلى النبي ﷺ العصر ثم أسرع بدخول بيته والخروج منه، فسأله الصحابة، فأوضح أنه تذكر “تِبراً” (قطعة ذهب) من الصدقة بقيت في بيته، فكره أن يبيته عنده.1 هذا السلوك يؤسس لمعيار “عدم الارتياح للاكتناز”. وفي حديث آخر، يؤكد النبي ﷺ أنه لو كان له مثل جبل أحد ذهبًا، لما سره أن تمر عليه ثلاث ليالٍ وعنده منه شيء إلا ما يرصده لدين.2 هنا يتحول الكرم من “قرار” إلى “طبع” يرفض تراكم الثروة دون وظيفة اجتماعية.
الكرم كأداة استراتيجية (تأليف القلوب):
في غزوة حنين، قدم النبي ﷺ نموذجاً للكرم السياسي حين أعطى صفوان بن أمية وادياً مملوءاً بالإبل والغنم. كان صفوان مشركاً يقاتل المسلمين، لكن هذا العطاء الضخم غير قناعاته جذرياً، ليقول: “ما طابت بهذا نفس أحد إلا نبي”.3 يثبت هذا الموقف أن الكرم في المفهوم النبوي هو أداة لتحويل العداوة إلى ولاء، وهي استراتيجية “القوة الناعمة” في أسمى تجلياتها.
1.2 عبد الله بن جعفر: جمالية العطاء والإيثار الجذري
يُمثل عبد الله بن جعفر (رضي الله عنه) الجيل الذي تربى على هذه القيم، ولكنه أضاف إليها بعداً جمالياً يتمثل في “السرور بالعطاء”. تشير المصادر إلى أن كرمه لم يكن مجرد واجب، بل “ثقة بالله وفرحاً بالقلب”.4
تحليل قصة “الغلام والكلب“:
تعد قصته مع الغلام الأسود في البستان مرجعاً فلسفياً في “نسبية الكرم”. حين رأى الغلام يطعم كلباً أرغفته الثلاثة التي هي قوته الوحيد لذلك اليوم، سأله عن السبب، فأجاب الغلام بإجابة تكشف عن وعي بيئي وإنساني عميق: “إن أرضنا ليست بأرض كلاب، وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعاً، فكرهت أن أرده”. وحين سُئل عن طعامه هو، قال: “أطوي يومي” (أبقى جائعاً).5
المعايير المستنبطة:
- الكرم النسبي اعتبر عبد الله بن جعفر أن الغلام أكرم منه، لأن الغلام جاد بـ “كل ما يملك” (100% من ثروته)، بينما عبد الله يجود بـ “جزء من ماله”.
- التفاعل الفوري: قام عبد الله بن جعفر بشراء الغلام والبستان، فأعتق الغلام ووهبه البستان.5 هذا يرسخ مبدأ “المكافأة التمكينية”، حيث تحول الكرم اللحظي إلى تغيير جذري في المصير الاجتماعي والاقتصادي للمحسن.
الفصل الثاني: أنثروبولوجيا الصحراء.. الكرم كقانون للحماية والسيادة
في البيئة الصحراوية، يخرج الكرم من دائرة “الفضيلة” ليدخل في دائرة “الواجب الوجودي”. القبائل العربية طورت منظومة معقدة للكرم ترتبط بالشرف، السيادة، والحماية الأمنية.
2.1 حاتم الطائي: سيكولوجية “ذبح الأصل الرأسمالي”
حاتم الطائي يمثل “المعيار الأسطوري” . شهرته لم تأتِ من كثرة ماله، بل من “توقيت” عطائه و”نوعيته”. في سنوات القحط والجفاف، حيث تكون الناقة هي المصدر الوحيد للحليب (الأصل الرأسمالي المنتج)، يقوم حاتم بنحرها لضيف عابر.6
التحليل الاقتصادي:
في علم الاقتصاد، يعتبر ذبح الناقة الحلوب في زمن المجاعة “انتحاراً اقتصادياً”، لكنه في “اقتصاد الشرف” العربي يعتبر قمة الاستثمار. حاتم يضحي بالأصل (Asset) من أجل القيمة المعنوية ، مما يضع معياراً للكرم يتطلب “التضحية بالأمان الشخصي من أجل الآخر“.
2.2 عبد الكريم الجربا “أبو خوذة”: العفوية المطلقة وإلغاء الملكية
الشيخ عبد الكريم الجربا، من شيوخ شمر، الملقب بـ “أبو خوذة”، يقدم نموذجاً فريداً في “التخلي الفوري”. لقبه جاء من كثرة قوله “خوذة” (خذه) لكل من أبدى إعجاباً بشيء يملكه.7
قصة الفروة والمعيار الأخلاقي:
تُروى عنه قصة الرجل الذي جاءه في ليلة شتوية قارسة يطلب ما يتدفأ به، ولم يكن الجربا يملك إلا الفروة التي يرتديها، فخلعها فوراً وأعطاها للسائل، وبقي هو يرتجف من البرد.8 في روايات أخرى، كان يعطي “بيوت الشعر” كاملة بما فيها للسائلين.9
هذا السلوك يمثل “الشفافية الكاملة بين المالك والسائل”، حيث لا توجد حواجز أو “ميزانيات مخصصة”، بل كل ما يملكه القائد هو ملك للرعية عند الحاجة.
2.3 ابن مهيد “مصوت بالعشاء”: الإعلام البدائي والحماية الممتدة
الشيخ محوت (مجحم) بن مهيد، شيخ الفدعان، الملقب بـ “مصوت بالعشاء”، أدخل عنصر “التسويق الاجتماعي للكرم”. كان يأمر منادياً ليصيح في الليل بدعوة الناس للعشاء، لضمان أن لا يبيت أحد جائعاً في محيطه الجغرافي.10
قانون “حماية الأيام الثلاثة“:
أهم مساهمة لابن مهيد في التشريع البدوي للكرم هي ترسيخ قانون “حماية الضيف”. الضيف ليس فقط مكفول الطعام والشراب، بل هو في “حماية أمنية” للمضيف لمدة ثلاثة أيام بعد مغادرته (فترة انقضاء الطعام من أمعائه مجازاً).11 هذا المعيار يرفع الكرم من “إطعام” إلى “تأمين سياسي”، حيث يصبح المضيف مسؤولاً عن سلامة ضيفه في الصحراء الموحشة، وهو معيار يعكس “المسؤولية الممتدة“
2.4 خلف بن دعيجا: الكرم كأداة للعدالة وجبر الضرر
الشيخ خلف بن دعيجا الشراري يمثل التقاء “الفروسية” بـ “الكرم”. في قصته الشهيرة مع التاجر الذي ضاعت إبله، لم يكتفِ خلف باستضافته، بل قام بتعويضه عن خسارته ومنحه إبلاً بديلة، مما حول مصيبة التاجر إلى ربح.12
التنافسية في الخير:
قصص خلف بن دعيجا تبرز أيضاً جانب “المنافسة في الكرم” مع شيوخ آخرين مثل ابن سمير. كانت القبائل تتنافس في “من يطعم أكثر” في سنوات الجدب، وهو ما يُعرف بـ “المروءة التنافسية”. هذا النوع من الكرم يعمل كـ “نظام ضمان اجتماعي لا مركزي”، يضمن توزيع الثروة في أوقات الأزمات.14
الفصل الثالث: الكرم المؤسسي والدبلوماسي.. تحولات الدولة الحديثة
مع ظهور النفط ونشوء الدول الحديثة في الخليج، انتقل الكرم من “خيمة الشيخ” إلى “مؤسسات الدولة”، ليصبح ذراعاً إنسانياً عالمياً.
3.1 آل سعود: تاريخ من “دبلوماسية الإنسانية”
تأسست المملكة العربية السعودية على مبدأ أن الدولة مسؤولة عن المسلمين والعرب. منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز، كان الدعم للقضية الفلسطينية في حرب 1948 دعماً سياسياً ومالياً وعسكرياً، من منطلق الواجب الديني والعروبي، وليس مجرد صدقة.15
الملك سلمان ومركز “
في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، وصل الكرم السعودي إلى ذروة “المأسسة” عبر إنشاء “مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية“.
- البيانات: قدمت السعودية مساعدات تنموية بقيمة 49 مليار دولار بين 1976 و1987.17 الصندوق السعودي للتنمية أصبح ثالث أكبر مانح للأونروا.17
- التخصص الطبي: يبرز برنامج “فصل التوائم السيامية” كأيقونة للكرم النوعي. تكفلت المملكة بجميع نفقات العمليات والعلاج والتأهيل لـ 141 حالة من 26 دولة، وأجرت 61 عملية فصل ناجحة.18 هذا “كرم عالي التقنية” ينقذ حياة معقدة ويعيد الأمل لأسر من قارات مختلفة.
- الاستجابة للأزمات: الدعم المستمر لليمن، وسوريا، وغزة (جسور جوية وبحرية) 19، يثبت معيار “الاستجابة العابرة للحدود”.
3.2 آل نهيان: إرث زايد والعطاء العالمي
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله) صاغ فلسفة الإمارات في العطاء: “لا فائدة حقيقية للثروة إذا لم تصل لمن هم في حاجة إليها”.20
إحصائيات ومعايير:
- الريادة العالمية: تصدرت الإمارات لسنوات قائمة أكبر المانحين للمساعدات الإنمائية نسبة للدخل القومي، مقدمة أكثر من 98 مليار دولار منذ تأسيسها.20
- جائزة زايد للأخوة الإنسانية: تمثل هذه الجائزة معياراً عالمياً حديثاً، حيث تكرم الأفراد والكيانات التي تعزز التضامن الإنساني، بغض النظر عن الدين أو العرق.21 لجنة التحكيم مستقلة وتضم شخصيات عالمية (مثل ممثلي الفاتيكان والأزهر)، مما يعطيها مصداقية دولية.23
- التنمية المستدامة: يركز صندوق أبوظبي للتنمية على مشاريع البنية التحتية (طرق، سدود، طاقة) في الدول النامية، مما يحقق “استدامة الأثر” بدلاً من الاستهلاك اللحظي للمساعدات.24
الفصل الرابع: رواد العمل الخيري الميداني.. التضحية بالذات والمال
4.1 عبد الرحمن السميط: أسطورة العمل في “مناطق الخطر”
الدكتور عبد الرحمن السميط يمثل نموذجاً نادراً للكرم الذي يتجاوز المال إلى “بذل النفس”. ترك حياة الرفاهية كطبيب متخصص في الكويت، وانتقل ليعيش في أدغال أفريقيا لمدة 29 عاماً.26
تفاصيل المخاطرة والحياة اليومية:
لم يكن السميط يدير العمل من مكتب مكيف، بل كان يخوض في المستنقعات.
- المخاطر: تعرض لمحاولات اغتيال من جماعات مسلحة، وطاردته أفاعي الكوبرا في الغابات، وأصيب بالملاريا عشرات المرات.27
- التواضع العملي: في أوقات المجاعة، كان يشارك الفقراء طعامهم البسيط المسمى “المديدة” (خليط الدقيق والزيت والماء)، ويشرف بنفسه على طبخه في براميل البناء الكبيرة.29
- الإنجازات: أسلم على يديه الملايين (تشير التقديرات لأكثر من 11 مليون)، وبنى آلاف المساجد والمدارس، وركز على “التعليم كأداة للتمكين”، حيث كان يجمع التبرعات لطباعة الكتيبات ودعم الطلبة حتى قبل تفرغه الكامل.30
يمثل السميط معيار “الانغماس الكامل” (Total Immersion)، حيث يذوب المانح في بيئة المستفيد حتى يصبح واحداً منهم.
4.2 سليمان الراجحي: هندسة “الوقف المنجز”
الشيخ سليمان الراجحي يقدم دراسة حالة في “الكرم الاقتصادي الإسلامي”. تحول من حمال فقير إلى ملياردير، ثم قرر أن يعود “فقيراً” بمحض إرادته.
آلية الوقف المبتكرة:
- توزيع الثروة حياً: قام الراجحي بتوزيع ثروته على ورثته وهو على قيد الحياة، وخصص جزءاً ضخماً منها كـ “وقف منجز”، ليتفادى نزاعات الورثة ويضمن استدامة العمل الخيري.31
- الحوكمة المؤسسية: لم يترك الوقف للعاطفة، بل أسس “شركة أوقاف سليمان الراجحي” بنظام حوكمة صارم، ومجلس نظارة، ولجان تدقيق، لضمان تنمية الأصول والصرف على المصارف الخيرية بكفاءة.33
- التعليم والصحة: ركزت أوقافه على مشاريع نوعية مثل “جامعة سليمان الراجحي” غير الربحية، والمستشفيات، ومشاريع الأمن الغذائي، مما يحقق “الدورة الاقتصادية الكاملة للخير”.34
الفصل الخامس: النموذج الغربي.. الكرم القائم على البيانات
لإكمال المشهد العالمي، لا بد من مقارنة النماذج العربية والإسلامية بنماذج العطاء الغربي الحديث، المتمثلة في بيل غيتس ووارن بافيت.
5.1 بيل غيتس ووارن بافيت: “تعهد العطاء” والفعالية
أطلق الاثنان مبادرة “تعهد العطاء” في 2010، وهي دعوة لأثرياء العالم للتبرع بأكثر من 50% من ثرواتهم.36
الخصائص والمعايير:
- المسؤولية الأخلاقية: يرى بافيت أن الاحتفاظ بأكثر من 1% من ثروته “عمل عبثي”، وأن الـ 99% الباقية يمكن أن تحدث تغييراً هائلاً في حياة الآخرين.37
- النهج العلمي مؤسسة غيتس تعتمد سياسة “الوصول المفتوح” وتقييم الأثر.38 لا يتم التبرع إلا بناءً على بيانات دقيقة حول جدوى المشروع (مثل القضاء على شلل الأطفال). هذا يمثل معيار “تعظيم الأثر”
- حل الجذور: التركيز على الابتكار التكنولوجي والصحي لحل مشاكل الفقر من جذورها، بدلاً من مجرد تقديم المعونة الغذائية.39
الفصل السادس: المعايير والشروط العشرون (20) للنجم الحقيقي في الموسوعة العالمية للكرم
بناءً على التحليل الأنثروبولوجي والتاريخي والاقتصادي للشخصيات المذكورة أعلاه، نضع هنا “الميثاق العالمي للكرم”، المكون من 20 معياراً يجب أن تتوفر (كلياً أو جزئياً بتميز استثنائي) في الشخصية المرشحة لدخول الموسوعة العالمية للكرم.
الفصل السابع: توصيات لتطبيق المعايير في الموسوعة
إن تطبيق هذه المعايير يتطلب لجنة تحكيم متعددة التخصصات (شرعية، اقتصادية، اجتماعية)، تنظر في ملف كل مرشح. لا يُشترط تحقيق الـ 20 معياراً كاملة، ولكن “النجم الحقيقي” هو من يحقق “العلامة الكاملة” في محور واحد على الأقل، مع وجود حد أدنى في باقي المحاور.
على سبيل المثال:
- عبد الرحمن السميط: يحقق العلامة الكاملة في (المخاطرة بالنفس، التواضع، الشمولية).
- سليمان الراجحي: يحقق العلامة الكاملة في (الاستدامة، التضحية بالأصول، الحوكمة).
- حاتم الطائي: يحقق العلامة الكاملة في (العطاء في العسر، التضحية بالأصول، الاستجابة الفورية).
- الشيخ زايد: يحقق العلامة الكاملة في (الشمولية العالمية، التنمية، التأثير العابر للحدود).
خاتمة
إن الموسوعة العالمية للكرم ليست مجرد سجل تاريخي، بل هي “بوصلة أخلاقية” للإنسانية. من خلال استعراضنا لهذه القامات الشامخة، يتضح أن الكرم هو اللغة المشتركة التي يفهمها الجميع، من بدو الصحراء إلى مليارديرات وول ستريت. إن المعايير العشرين التي صغناها تمثل خلاصة التجربة البشرية في محاولة التغلب على الأنانية، وتؤكد أن “النجم الحقيقي” هو من يدرك أن ما ينفقه هو الوحيد الذي يملكه حقاً، وأن الخلود لا يُكتب بالحبر، بل بأثر العطاء في حياة الآخرين.
ندعو القائمين على الموسوعة لاعتماد هذه المنهجية العلمية الصارمة، لضمان أن تكون الأسماء المدرجة فيها قد اجتازت “اختبار الزمن” و”اختبار القيم”، لتكون قدوة للأجيال القادمة في عالم أحوج ما يكون اليوم إلى إعادة اكتشاف معنى “الكرم”.

