جراح القلوب: ملحمة العطاء الإنساني للبروفيسور مجدي يعقوب

بقلم: ناصر السلمان

 الموسوعة العالمية للكرم

حينما يصبح المشرط أداةً للرحمة

في سجلات التاريخ الطبي، نادراً ما نجد شخصية استطاعت أن تدمج بين العبقرية الجراحية الفذة والنزعة الإنسانية الصوفية كما فعل البروفيسور السير مجدي حبيب يعقوب. إن هذا التقرير، الذي تم إعداده خصيصاً للموسوعة العالمية للكرم، لا يهدف فقط إلى سرد الإنجازات الطبية لرجل يُلقب بـ “ملك القلوب”، بل يغوص في أعماق الفلسفة التي حولت العلم من مجرد ممارسة تقنية إلى رسالة خلاص للفقراء والمهمشين. إن قصة مجدي يعقوب ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل هي توثيق لتمرد أخلاقي ضد الألم، ورفض قاطع لأن تكون الجغرافيا أو الفقر سبباً في الموت.1

من قرى مصر إلى أروقة المستشفيات الملكية في لندن، ومن أدغال إفريقيا إلى مخيمات اللاجئين، رسم يعقوب خارطة طريق للإنسانية، مُثبتاً أن قمة التطور العلمي لا تكتمل إلا عندما تنحني لتلامس أوجاع البسطاء. هذا التقرير الموسع يستند إلى وثائق دقيقة، وشهادات حية، وتحليلات معمقة لمسيرة رجل آمن بأن “الإنسانية تتألم”، وأن واجبه الوحيد هو إزالة هذا الألم.3


الفصل الأول: الجذور التراجيدية للعطاء

1.1 الوعد الأول: مأساة العمة والقرار المصيري

لم يولد الشغف الإنساني لمجدي يعقوب في قاعات المحاضرات الباردة، بل وُلِد من رحم مأساة عائلية حارقة. وُلد يعقوب في نوفمبر 1935 في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في مصر، وكان والده جراحاً عاماً، مما فرض على العائلة نمط حياة متنقل بين المدن المصرية المختلفة. هذا التنقل المستمر زرع في نفس الطفل الصغير قدرة على التكيف وفهماً عميقاً للتنوع البشري وطبقات المجتمع المصري.2

لكن اللحظة الفاصلة التي شكلت وجدانه حدثت وهو في الرابعة من عمره فقط. حينها، توفيت عمته الشابة ذات الـ 22 ربيعاً بسبب مرض صمامات القلب الناتج عن الحمى الروماتيزمية. كانت تلك الوفاة صدمة زلزلت كيان والده الجراح، الذي انهار باكياً أمام عجزه عن إنقاذ شقيقته الصغرى. يتذكر يعقوب تلك اللحظة قائلاً: “لقد انهار والدي… وقال لي إن هذا الكارثة كان يمكن منعها لو توفرت التقنيات الجديدة التي بدأت تظهر في لندن وبوسطن”.5

كانت تلك الجملة بمثابة “التكليف الإلهي” للطفل مجدي. في تلك اللحظة، لم يقرر أن يكون طبيباً فحسب، بل أقسم أن يصبح جراح قلب ليمنع تكرار هذا الألم في بيوت الآخرين. يقول يعقوب: “منذ ذلك الحين، اتبعت حلمي فقط”.5 هذا الرابط العاطفي المبكر مع “الموت القابل للمنع” هو المحرك الأساسي لكل أعماله الإنسانية اللاحقة؛ فهو لا يرى في المريض مجرد حالة طبية، بل يرى فيه عمته التي لم يستطع والده إنقاذها.

1.2 الصراع من أجل الشرعية: العلم في خدمة الفقراء

بعد تخرجه من كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1957، وانتقاله إلى بريطانيا عام 1962، واجه يعقوب تحديات هائلة كجراح “أقلية” في مجال تسيطر عليه المؤسسات الغربية التقليدية.1 ومع ذلك، لم تكن معركته الكبرى من أجل مجده الشخصي، بل من أجل شرعية العلاج لمرضاه.

في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، كان يُنظر إلى عمليات زراعة القلب على أنها “عبث تجريبي” و”غير أخلاقية” من قبل الكثيرين في المؤسسة الطبية البريطانية. رفضت وزارة الصحة تمويل برنامج الزراعة في مستشفى “هيرفيلد” (Harefield)، معتبرة إياه مستشفى قروياً صغيراً لا يصلح لمثل هذه العمليات المعقدة، وأن التكلفة لا تبرر النتائج.3

هنا تجلت عبقرية يعقوب الإنسانية. لم يستسلم للبيروقراطية، بل حشد المجتمع المحلي. بدأ سكان قرية هيرفيلد البسطاء في جمع التبرعات في “الجرادل” (Dbuckets) داخل الكنائس والشوارع لدفع تكاليف العمليات لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS). كان هذا المشهد السريالي – قرويون يمولون أحدث العمليات الجراحية في العالم – دليلاً على الثقة العمياء التي زرعها يعقوب في مجتمعه.3

لكن يعقوب أدرك أن العاطفة وحدها لا تكفي، فواجه المؤسسة بلغتها: لغة الأرقام. تحدى وزارة الصحة لتمويل دراسة مستقلة حول “سنوات الحياة المصححة بجودة الحياة” (QALYs). أثبتت الدراسة علمياً أن زراعة القلب تمنح المرضى سنوات حياة ذات جودة عالية تفوق بكثير علاجات أخرى ممولة. رضخت الحكومة للأدلة، وتم اعتماد التمويل. هذا الانتصار لم يكن طبياً فحسب، بل كان انتصاراً إنسانياً أثبت حق المرضى “الميؤوس منهم” في فرصة ثانية للحياة.3


الفصل الثاني: فلسفة العطاء.. العلم كأداة للمساواة

2.1 السيادة البيولوجية والتواضع

رغم وصوله إلى قمة المجد العلمي، وحصوله على ألقاب مثل “فارس” (Sir) ووسام الاستحقاق (Order of Merit) – وهو شرف يقتصر على 24 شخصاً فقط في المملكة المتحدة – يظل التواضع هو السمة المسيطرة على شخصية يعقوب.4 يصف فلسفته بمقولة شهيرة: “لقد اكتشفت قمة الجبل. لكن في الواقع، الأمر ليس كذلك. عندما تنظر للأعلى، تجد أن الجبل أعلى بكثير، وما وصلت إليه هو مجرد مرتفع صغير”.8

هذا التواضع نابع من احترامه العميق للطبيعة أو ما يسميه “السيادة البيولوجية”. هو يرى نفسه مجرد خادم لهذه البيولوجيا، ومسهل لعمليات الشفاء التي تكمن في الجسد البشري. هذا المنظور يزيل الفوقية في التعامل مع المرضى؛ فهو لا “يمنّ” عليهم بالشفاء، بل يشاركه معهم كحق مكتسب.

2.2 الإنسانية المتألمة

في حديثه الإذاعي، لخص يعقوب دافعه الأكبر قائلاً: “الإنسانية تتألم… وهي تتألم لأن الكثير من هذا الألم ناتج عن أمراض القلب والأوعية الدموية. لذا، يجب أن نكون مصممين حقاً على التخلص من هذا الألم”.3 يرى يعقوب أن التفاوت الهائل في تقديم الرعاية الصحية بين الدول المتقدمة والنامية هو “وصمة عار”. فبينما يتم تصحيح العيوب الخلقية الروتينية في لندن بسهولة، يموت الأطفال في إفريقيا بسببها. هذا التفاوت هو العدو الأول لمجدي يعقوب، وقد كرس النصف الثاني من حياته لمحاربته من خلال مؤسساته الخيرية.


الفصل الثالث: سلسلة الأمل (Chain of Hope).. جسر عالمي للنجاة

أسس السير مجدي يعقوب مؤسسة “سلسلة الأمل” (Chain of Hope) في عام 1995/1996، لتكون الذراع الضارب في حربه ضد عدم المساواة الصحية العالمية. الفكرة وراء الاسم عبقرية في بساطتها: إنقاذ حياة طفل يتطلب “سلسلة” من المتبرعين، وشركات الطيران، والأسر المضيفة، والفرق الطبية، والمستشفيات. إذا انكسرت حلقة واحدة، تضيع الحياة. ويعقوب هو المرساة التي تثبت هذه السلسلة.9

3.1 النطاق الجغرافي للرحمة

تعمل المؤسسة في بيئات تتراوح بين الفقر المدقع ومناطق النزاع المسلح. وبناءً على الوثائق، يمتد نشاطها ليشمل دولاً عديدة، منها:

  • موزمبيق: دعم معهد القلب في مابوتو منذ عام 2000، حيث تنتشر أمراض القلب الروماتيزمية بكثرة.9

  • إثيوبيا: إنشاء وحدات للقلب وتدريب الكوادر في بلد يتجاوز عدد سكانه 100 مليون نسمة مع ندرة في جراحي القلب.9

  • جامايكا: علاقة تاريخية بدأت منذ الستينيات، وتوجت بافتتاح وحدة قلب متخصصة في مستشفى بوستامانتي للأطفال في 2017.9

  • غزة ومناطق النزاع: لم يتردد يعقوب في التدخل لإنقاذ أطفال غزة، ممولاً وموفراً للرعاية الجراحية العاجلة للأطفال الذين تحاصرهم الظروف السياسية والعسكرية، مؤكداً أن الطب لا يعترف بالحدود.9

  • أوغندا: التعاون مع معهد القلب الأوغندي لإجراء جراحات دقيقة في بيئة تفتقر للموارد.9

3.2 نموذج العمل: التعليم بدلاً من الصيد

تتميز “سلسلة الأمل” بأنها لا تكتفي بإرسال “فرق طائرة” لإجراء العمليات ثم المغادرة. بل تعتمد نموذجاً مستداماً يركز على:

  1. برنامج إحالة الأطفال الدولي: نقل الحالات المعقدة جداً التي لا يمكن علاجها محلياً إلى “مراكز التميز” في بريطانيا أو مصر.9

  2. البعثات التدريبية: الهدف الأسمى ليعقوب هو أن يجعل مؤسسته “غير ضرورية” في المستقبل، وذلك عبر بناء القدرات المحلية، وتدريب الأطباء والممرضين في بلدانهم ليتمكنوا من إجراء الجراحات بأنفسهم.11

3.3 معضلة الاختيار “فرز المآسي”

أصعب ما يواجهه يعقوب وفريقه في هذه البعثات هو لحظة الاختيار. عندما يصل الفريق إلى بلد نامٍ، يصطف مئات الآباء والأمهات حاملين أطفالهم المرضى. ونظراً لمحدودية الوقت والموارد، لا يمكن إجراء العمليات للجميع.

يقول التقرير إن “إخبار عائلة بأننا لا نستطيع إجراء عملية لطفلهم لأنه معقد جداً [في ظل الظروف المتاحة] هو أحد أصعب أجزاء عمل الفريق”.11 تلتزم المؤسسة بقاعدة صارمة: التدخل فقط عندما يكون النجاح مضموناً لضمان عدم إهدار الموارد الثمينة التي قد تنقذ طفلاً آخر. هذا “الفرز الأخلاقي” يمثل عبئاً نفسياً هائلاً يحمله يعقوب بصبر الجراح وحكمة الحكيم.


الفصل الرابع: مؤسسة مجدي يعقوب للقلب.. جوهرة النيل في أسوان

في عام 2008، اتخذ يعقوب خطوة جريئة بتأسيس “مؤسسة مجدي يعقوب لأمراض القلب” (MYF) في مصر، بالشراكة مع الراحل الدكتور أحمد زويل والسفير محمد شاكر. كان الهدف الانتقال من “البعثات المؤقتة” إلى “المؤسسات الدائمة”.7

4.1 مركز أسوان للقلب (AHC): معجزة في الصعيد

اختيار مدينة أسوان في أقصى جنوب مصر لم يكن عشوائياً. كانت هذه المنطقة تعاني تهميشاً طبياً مزمناً، حيث يضطر المرضى للسفر مئات الأميال إلى القاهرة للعلاج. أنشأ يعقوب مركزاً عالمياً على ضفاف النيل، يضاهي في تجهيزاته أفضل مستشفيات لندن ونيويورك.

نموذج الكرامة “المجاني بالكامل”:

ما يميز مركز أسوان ليس فقط التكنولوجيا، بل النموذج الاقتصادي والأخلاقي. يقدم المركز خدماته مجاناً بالكامل (100%) لغير القادرين.7 لا توجد “عنابر للفقراء” وأخرى للأغنياء؛ فجميع المرضى يتلقون نفس مستوى الرعاية الفائقة، في نفس الغرف، وبنفس الطاقم الطبي. يعتمد المركز كلياً على التبرعات، وقد نجح يعقوب في خلق ثقافة تبرع مستدامة تدعم هذا الصرح.

إحصائيات الأمل:

يعالج المركز آلاف المرضى سنوياً، ويجري مئات عمليات القلب المفتوح والقسطرة المعقدة. الأهم من ذلك، أنه أصبح مركزاً بحثياً يدرس الجينات الخاصة بالمصريين وأمراض القلب المتوطنة في المنطقة.12

4.2 البحث العلمي كعمل إنساني

يؤمن يعقوب بأن علاج مريض واحد هو عمل نبيل، لكن اكتشاف علاج لمرض هو عمل يخلد الإنسانية. لذا، يركز المركز على:

  • هندسة الأنسجة: زراعة صمامات قلب من الخلايا الجذعية للمريض نفسه، مما يغني عن الصمامات الصناعية وأدوية السيولة.8

  • الحمى الروماتيزمية: البحث في سبل الوقاية من هذا المرض الذي يفتك بفقراء العالم الثالث.


الفصل الخامس: مركز مجدي يعقوب العالمي بالقاهرة.. عهد للمستقبل

نظراً للضغط الهائل على مركز أسوان، أطلقت المؤسسة مشروعها الأضخم: مركز مجدي يعقوب العالمي للقلب في القاهرة (MYGHC)، والمقرر اكتماله وافتتاحه رسمياً بحلول أواخر 2025.7

5.1 عمارة الشفاء (تصميم فوستر وشركاه)

تم تصميم المركز الجديد بواسطة المعماري العالمي نورمان فوستر (Foster + Partners). التصميم ليس مجرد هيكل خرساني، بل هو جزء من العلاج.

  • التصميم البيوفيلي (Biophilic Design): يقع المركز وسط مساحات خضراء شاسعة تطل على أهرامات الجيزة. تم تصميم الغرف لتدخلها أشعة الشمس والمناظر الطبيعية، مما يسرع من عملية الشفاء ويقلل التوتر لدى المرضى والأطقم الطبية.14

  • الأسقف الصدفية: استوحى التصميم أسقفه من أشرعة المراكب النيلية (الفلوكة)، لتوفر الظل والتهوية، دامجة التراث المصري بالحداثة المستدامة.14

5.2 قفزة نوعية في القدرة الاستيعابية (رؤية 2025)

يمثل مركز القاهرة توسعاً استراتيجياً لخدمة مصر والشرق الأوسط وإفريقيا. يوضح الجدول التالي المقارنة بين القدرات الحالية والمستقبلية:

الميزة مركز أسوان (الحالي) مركز القاهرة العالمي (المستهدف 2025)
العيادات الخارجية (سنوياً) ~40,000 مريض 120,000 مريض
الإجراءات والجراحات (سنوياً) ~4,000 عملية 12,000 عملية
تدريب الكوادر (سنوياً) ~500 متدرب 1,750 متدرب
النطاق الجغرافي صعيد مصر مصر، إفريقيا، الشرق الأوسط

جدول 1: مقارنة القدرات الاستيعابية لمراكز مؤسسة مجدي يعقوب 12

يصف القائمون على المشروع هذا المبنى بأنه “عهد للأجيال القادمة”، يضمن أن لا يُحرم أي طفل من العلاج بسبب الفقر أو نقص الإمكانيات.16


الفصل السادس: قصص إنسانية.. حينما تتحدث القلوب

لا تكمن عظمة مجدي يعقوب في الأرقام، بل في القصص الفردية التي غيرت مسار حيوات كاملة.

6.1 ماري بوكو (Mary Poku): عمر جديد من العدم

في عام 1985، كانت ماري بوكو مراهقة بريطانية تعاني من فشل قلبي حاد، ولم يتبقَ لها سوى ثلاثة أشهر للحياة. في ذلك الوقت، كانت زراعة القلب إجراءً مرعباً ونادراً. تدخل يعقوب، ليس فقط كجراح، بل كإنسان. أقنع والديها المترددين ومنحهم الشجاعة للموافقة. أجرى لها العملية بنجاح.

بعد 36 عاماً، وقفت ماري بوكو – التي أصبحت محامية ناجحة (Barrister) – لتروي قصتها، واصفة يعقوب بأنه منحها “هبة الحياة حرفياً”. بفضل مشرطه، عاشت لتكبر، وتدرس، وتعمل، وتصبح عضواً فاعلاً في المجتمع، بدلاً من أن تكون مجرد إحصائية في سجل الوفيات.17

6.2 دانييلا (Daniella): معجزة جامايكا

في جامايكا، وُلدت الطفلة دانييلا بعيب خلقي قاتل ونادر يُعرف بـ (ALCAPA)، حيث يكون الشريان التاجي متصلاً بالشريان الرئوي بدلاً من الأبهر، مما يحرم القلب من الأكسجين. تاريخياً، كان هذا يعني الموت المحتم أو ضرورة السفر المكلف للخارج.

لكن فريق “سلسلة الأمل”، بقيادة البروفيسور فيكتور تسانغ وتحت إشراف يعقوب، أجرى أول عملية ALCAPA في تاريخ جامايكا للطفلة دانييلا في مستشفى محلي. نجت الطفلة، وأثبت يعقوب أن الجراحات المعقدة يمكن إجراؤها في الدول النامية إذا توفر التدريب والدعم.18

6.3 إيليا (Elijah): الأمل لليتيم في أوغندا

في أوغندا، كان الطفل “إيليا” يتيماً تخلى عنه والده، وربته أم وحيدة تكافح من أجل البقاء. كان يعاني من ضعف شديد بسبب مرض قلبي أقعده عن الحياة الطبيعية. تدخلت “سلسلة الأمل” لتوفر له الجراحة التي كان مستحيلاً على والدته تحمل تكاليفها. تحول إيليا من طفل عاجز إلى شاب يافع، وأصبح اليوم قائداً في دار للأيتام، يمرر شعلة الأمل التي تلقاها إلى غيره من الأطفال المحتاجين.19

6.4 هانا: “حياة طبيعية”

بعد خضوعها لجراحة معقدة على يد يعقوب، سُئلت المريضة “هانا” عن شعورها. كانت إجابتها بسيطة لكنها تلخص كل شيء: “لدي الآن حياة طبيعية… لقد أنهيت للتو امتحانات الثانوية وحصلت على وظيفة”. بالنسبة ليعقوب، هذه التفاصيل الصغيرة – الامتحانات، الوظيفة الأولى – هي الانتصارات الحقيقية.21


الفصل السابع: الدبلوماسية الطبية والتقدير العالمي

7.1 جسور فوق النزاعات (رواندا وإثيوبيا)

يتجاوز تأثير يعقوب غرف العمليات ليصبح نوعاً من “الدبلوماسية الطبية”. في وقت التوترات السياسية، تظل مؤسساته جسراً للتواصل.

  • مركز مجدي يعقوب رواندا-مصر للقلب: في أغسطس 2024، تم تدشين المرحلة الأولى من هذا المركز في كيغالي، ليكون مركزاً إقليمياً لشرق إفريقيا. هذا المشروع يمثل “قوة ناعمة” هائلة، ويربط بين شعوب القارة عبر شريان الحياة.22

  • إثيوبيا: رغم أزمات المياه والسياسة، استمرت “سلسلة الأمل” في علاج الأطفال الإثيوبيين وتدريب أطبائهم، مرسخة مبدأ أن “الإنسانية تسبق السياسة”.9

7.2 جائزة زايد للأخوة الإنسانية (2024)

في عام 2024، توج العالم جهود السير مجدي بمنحه جائزة زايد للأخوة الإنسانية، مشاركة مع مؤسسات من إندونيسيا وتشيلي. في حيثيات الجائزة، تم تكريمه لجهوده في “إنقاذ الأرواح وبناء الجسور”.

في خطاب قبوله للجائزة، تجلى تواضعه الجم حين قال إنه يقبلها نيابة عن “كل العاملين الذين كرسوا حياتهم لتحسين الحياة البشرية”، مؤكداً التزامه بمواصلة العمل من أجل “التسامح” و”الحب دون تمييز”. كان هذا التكريم اعترافاً بأن يعقوب ليس مجرد طبيب، بل رمز للسلام العالمي.23

7.3 الأوسمة كمنصات للتأثير

  • وسام الاستحقاق (Order of Merit) – 2014: من الملكة إليزابيث الثانية.

  • قلادة النيل العظمى – 2011: أرفع وسام مصري.

  • لقب فارس (Knight) – 1991: تقديراً لخدماته الطبية.

  • رقم غينيس القياسي: لإجرائه 100 عملية قلب في عام واحد، وهو دليل على تفانيه الخارق.7

إن التقرير عن السير مجدي يعقوب في “الموسوعة العالمية للكرم” لا يمكن أن يُختتم بمجرد سرد للجوائز. إن إرث هذا الرجل يكمن في النظرة التي غرسها في جيل كامل من الأطباء: أن الطب رسالة، وأن العلم سلاح في وجه الظلم، وأن قلب الطفل الفقير في صعيد مصر أو أدغال إفريقيا يستحق نفس الجهد والبراعة التي ينالها الملوك.

لقد وفى مجدي يعقوب بوعده لوالده، وحوّل دموع العجز على وفاة عمته إلى أنهار من الأمل تروي عطش الملايين للحياة. هو “ملك القلوب” ليس لأنه حكمها، بل لأنه خادمها المخلص، والجراح الذي يخيط جراح الإنسانية بصبر لا ينفد.


الاستشهادات والمصادر:

.1

من alkram net