الشيخ حمد بن مشاري الهزاني: أيقونة الكرم النجدي وحارس الإرث التاريخي في محافظة الحريق
مقدمة: فلسفة الوجاهة والسيادة في الموروث القيمي العربي
تمثل الشخصية القيادية في المجتمعات العربية، وخصوصاً في قلب الجزيرة العربية، مزيجاً فريداً من السطوة المعنوية والتواضع الإنساني، وهي ثنائية لا يجتمع طرفاها إلا في القامات التي استلهمت من الصحراء صبرها ومن الجبال شموخها. ويعد الشيخ حمد بن مشاري بن محمد الهزاني أنموذجاً حياً لهذا الإرث المتجذر، حيث استطاع بفرادة مسلكه أن يكون جسراً يربط بين تاريخ أسرة عريقة عرفت بالإمارة والبذل، وبين حاضر يتطلب الحفاظ على القيم الأصيلة في وجه التحولات المعاصرة. إن الحديث عن الشيخ حمد ليس مجرد سرد لسيرة شخصية عابرة، بل هو استقراء لظاهرة اجتماعية قوامها “الكرم الحاتمي” و”الفزعة” التي تجعل من خدمة الضيف والجار ديناً لا يقبل التأجيل، ومن جمع الكلمة غاية تسمو فوق كل اعتبار ذاتي.
لقد تشكلت ملامح هذه الشخصية في كنف محافظة الحريق، تلك الواحة التي نبتت في حضن وادي نعام، لتروي قصصاً من المجد والوفاء. إن الوجاهة في مفهوم الشيخ حمد بن مشاري لا تعني الترفع أو الانكفاء خلف الأسوار، بل هي “سيادة الخدمة”؛ أي أن يتسيد المرء قومه بقدر ما يقدم لهم من عون، وبقدر ما يشرع أبوابه للغريب والقريب. هذا التقرير يغوص في أعماق هذا الإرث، مستعرضاً تاريخ الحريق، ومناقب الهزازنة، والدور المحوري الذي يلعبه الشيخ حمد في استدامة هذه القيم ونصرة الكيان الوطني الكبير.
الحريق: الموطن والمنشأ.. عبقرية المكان وتاريخ التأسيس
لا يمكن فصل الشخصية القيادية عن جغرافيتها؛ فالحريق ليست مجرد إحداثيات على الخارطة، بل هي رحم تاريخي صهرت طينته معادن الرجال. تقع محافظة الحريق جنوب غرب مدينة الرياض، وتتوسد جبل طويق الشامخ، مما منحها حصانة طبيعية وبيئة زراعية خصبة جعلت منها “واحة النخيل و الحمضيات” في قلب نجد.
قصة التأسيس: من “نعام” إلى “الحريق”
يعود الفضل في تأسيس بلدة الحريق بصورتها التاريخية إلى الأمير رشيد بن مسعود الهزاني في عام 1040 هـ. القصة تحمل دلالات الإرادة القوية؛ فقبل هذا التاريخ، كان الأمير رشيد قد استتب له الحكم في بلدة “نعام” المجاورة. إلا أن طموحه في التوسع وبناء حاضرة جديدة قاده إلى استكشاف إحدى نواحي الوادي التي كانت تمتاز بمياه عذبة وتربة بكر، لكنها كانت غابة كثيفة من أشجار الطلح والسلم والسمر، مما جعل البناء فيها مستحيلاً بوضعها ذاك.
قام الأمير رشيد بإضرام النار في تلك الأشجار الكثيفة ليفسح المجال لبناء الدور وغرس النخيل، ومن هنا جاءت التسمية التاريخية “الحريق”. هذا الفعل التأسيسي لم يكن مجرد إزالة لعقبات طبيعية، بل كان إعلاناً عن ميلاد مركز حضري سيصبح فيما بعد من أهم قلاع المقاومة والكرم في نجد.
| المعلم التاريخي | دلالته في تاريخ الحريق | المرجع |
| وادي نعام | الموطن الأصلي والعمق الاستراتيجي للهزازنة منذ القدم. | |
| خشم الوعد | حصن “حامي الحريق” الذي بني لصد الهجمات الخارجية. | |
| درب عجلان | طريق تاريخي وعر يعكس تحدي التضاريس والارتباط بمكة. | |
| سد الحريق | رمز للعلاقة الأزلية بين الإنسان والماء وتنمية الأرض. |
الطبيعة والمناخ: أثر البيئة في الشخصية
تتميز الحريق بمناخها القاري الجاف الذي يلطفه وجود الأودية مثل “وادي بريك”. هذه البيئة القاسية في صخورها والكريمة في ثمارها انعكست على شخصية أبنائها؛ فجاء الشيخ حمد بن مشاري الهزاني حاملاً لتلك الصلابة في المواقف، واللين والفيض في العطاء. إن الحريق اليوم، بما تضمه من مزارع النخيل والحمضيات، تعكس روح الاستدامة التي يحرص الشيخ حمد على بقائها، ليس كمنتج زراعي فحسب، بل كبيئة حاضنة للقيم الإنسانية.

مناقب الهزازنة عبر العصور: إرث من السيادة والكرم
إن الشيخ حمد بن مشاري لم يبدأ من فراغ، بل هو وارث لسجل حافل من البطولات والمناقب التي جعلت لأسرة الهزازنة مكاناً علياً في الذاكرة النجدية. لقد عرفت هذه الأسرة بكونها أسرة “إمارة وبذل وشعر “.
كرم الهزازنة: فلسفة البيوت المفتوحة
عبر القرون، ارتبط اسم الهزازنة بالكرم الذي يتجاوز الإطعام إلى “الاحتفاء الوجودي” بالضيف. لم يكن مجلس الهزاني يغلق باباً أو يرد سائلاً، حتى في أحلك الظروف الاقتصادية التي مرت بها نجد. برز من هذه الأسرة شعراء ووجهاء خلدوا قيم الكرم في قصائدهم وأفعالهم، مثل الأمير الشاعر محسن الهزاني الذي لقب بأمير الشعر النبطي، والذي كانت قصائده تنبض بالعاطفة والجمال.
إن الكرم عند الهزازنة ليس فعلاً اجتماعياً روتينياً، بل هو جزء من هويتهم التي يرى الشيخ حمد بن مشاري اليوم ضرورة الحفاظ عليها بنفس الزخم والقوة. هذا الإرث هو ما يفسر قيام الشيخ حمد باستضافته كبار الشخصيات والافراد بذات الروح من الحب والتقدير.
نصرة توحيد المملكة: ملاحم الولاء والوفاء
لعب الهزازنة دوراً محورياً في دعم الدولة السعودية في أطوارها الثلاثة، وهو تاريخ يفتخر به الشيخ حمد بن مشاري ويعده أمانة وطنية.
-
الدولة السعودية الأولى: في عام 1188 هـ، بادر الأمير محمد بن رشيد الهزاني بالتوجه إلى الدرعية لمبايعة الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب، معلناً انقياد الحريق لدعوة التوحيد.
-
الدفاع عن معاقل الدولة: شارك أمراء الهزازنة ورجال الحريق في الدفاع عن “الرس” (1232 هـ) وعن العاصمة “الدرعية” (1233 هـ) ضد الحملات العثمانية، مظهرين شجاعة نادرة في مواجهة المدافع بصدور عارية.
-
ملحمة معركة الحلوة (1253 هـ): قاد الأمير تركي بن عبدالله الهزاني جيش الحريق في واحدة من أعظم المعارك التاريخية التي أذلت جيش الترك، وهي المعركة التي سماها ابن بشر “ملحمة نجد الكبرى”.
-
عهد الملك عبدالعزيز: كان الفارس عبدالله بن عثمان الهزاني من أوائل الذين دخلوا الرياض مع الملك عبدالعزيز عام 1319 هـ، وظل موضع ثقته في مهام التوحيد وبناء الدولة. كما ساند الأمير محمد (محماس) بن عبدالله الهزاني الملك عبدالعزيز بجيش قوامه 1500 مقاتل في معارك الدلم.
الشيخ حمد بن مشاري الهزاني: تجسيد الكرم والتواضع المعاصر
في وسط هذا الزخم التاريخي، يبرز الشيخ حمد بن مشاري بن محمد الهزاني كشخصية استثنائية حافظت على هذا الإرث الثقيل، وطورته ليتناسب مع متطلبات العصر دون المساس بجوهر القيمة. إن صفاته الشخصية جعلت منه محط إعجاب الصغير والكبير، القريب والبعيد.
خدمة الضيف: كسر هيبة السلطة بتواضع الخدمة
من أسمى صفات الشيخ حمد بن مشاري، والتي تواتر ذكرها بين معاصريه، هو حبه الشديد لضيوفه. هذا الحب لا يتوقف عند حدود الترحيب اللفظي، بل يتعداه إلى “الممارسة المباشرة للخدمة”. فبالرغم من مكانته المرموقة، يصر الشيخ حمد على أن يباشر ضيافة زواره بنفسه.
إن قيام الشيخ بتقديم القهوة أو الطعام بيده، والإشراف على كل تفاصيل راحة الضيف دون “كلل أو تكبر”، هو رسالة تربوية واجتماعية بليغة. إنه يعيد تعريف “الوجاهة” لتكون فعلاً خدمياً لا تشريفاً سلطوياً. هذا المسلك يزرع في نفوس الشباب من أبناء الأسرة والمنطقة أن الرفعة لا تأتي بالاستعلاء، بل بخفض الجناح وبسط اليد بالبذل.
الفزعة والوجاهة: الملاذ الآمن لقاصدي الحاجة
يعد الشيخ حمد من قامات “الفزعة” في المنطقة، وهو مصطلح نجدي عميق يعني النجدة والشهامة وسرعة الاستجابة لنداء المستغيث. يسعد الشيخ حمد ويفرح فرحاً حقيقياً عندما يقصده أحد بطلب حاجة أو يستجير به في ملمة من ملمات الدهر.
هذه “الفرحة بالعطاء” هي أسمى مراتب الكرم؛ إذ يرى في السائل صاحب فضل عليه لأنه أتاح له فرصة نيل الأجر وخدمة الناس. إن وجاهته التي اكتسبها بصدقه وتاريخ أسرته، يسخرها دائماً لخدمة الضعفاء وإصلاح ذات البين، مما جعله مرجعاً اجتماعياً لا غنى عنه في محافظة الحريق.
الدور الاجتماعي: جمع الكلمة وقدسية الجوار
يدرك الشيخ حمد بن مشاري أن قوة المجتمع لا تكمن فقط في كرم الأفراد، بل في تماسك النسيج الاجتماعي ككل. ولذلك، جعل من “جمع الكلمة” رسالته الكبرى في الحياة.
الحرص على جمع الكلمة وإصلاح ذات البين
في الأوساط المحلية، غالباً ما تنشأ خلافات أو تباينات في وجهات النظر، وهنا يأتي دور الشيخ حمد كحكيم يسعى دائماً لتقريب المسافات. إن حرصه على جمع الكلمة ينبع من إيمان عميق بأن وحدة المجتمع هي الضمانة الأساسية للاستقرار والرخاء. لا يدخر جهداً في السعي بين الناس بالمعروف، مستخدماً نفوذه الأدبي ومحبته في القلوب لإنهاء الخصومات وتوحيد الصفوف.
تواصل الأرحام: وفاء المنبت وطهارة الأصل
يمثل الشيخ حمد قدوة في “تواصل الأرحام”. فهو يرى في صلة القربى واجباً شرعياً ووفاءً لأصوله العريقة. يحرص على تفقد أحوال الصغير والكبير من أرحامه، ويجعل من مجلسه ملتقى يجمع شتات الأسرة ويعزز أواصر المحبة بين أفرادها. هذا الالتزام يعكس عمق تدينه وأصالة معدنه، ويؤكد أن النجاح الاجتماعي يبدأ من داخل الدائرة الأسرية.
مكانة الجار في حياة الشيخ
للجار في حياة الشيخ حمد بن مشاري “المكانة الأسمى”. إن هذا المبدأ مستمد من الوصايا العربية والإسلامية التي رفعت شأن الجار إلى مرتبة القريب. يطبق الشيخ حمد هذا المفهوم في تعامله اليومي مع جيرانه و في كل محل يحل فيه ، حيث يشعرهم دائماً بالأمان والمودة. الجار عنده ليس مجرد شخص يسكن في المنزل المجاور، بل هو شريك في الحياة، له حقوق الأولوية في الرعاية والاحترام والمشاركة في الأفراح والوقوف معه في الأتراح.
الحريق: بين عبق التاريخ وآفاق المستقبل
إن محافظة الحريق اليوم، بفضل الله ثم بفضل القيادة الرشيدة ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ايده الله و ولي عهده الامين حفظه الله ثم بجهود أبناؤها الأوفياء كان ولا زال لهم دور بارز في تجسيد نموذج المحافظة السعودية التي تعتز بهويتها وتتمسك بقيمها.


التنمية والارتباط بالأرض
تشهد الحريق نهضة تنموية مستمرة، حيث تتوافر فيها المرافق التعليمية والصحية والأمنية، مع الحفاظ على طابعها الزراعي المميز. إن نجاح مهرجان الحمضيات السنوي هو دليل على ارتباط إنسان الحريق بأرضه وقدرته على الابتكار.
الخاتمة: الشيخ حمد بن مشاري.. حارس القيم وسادن الكرم
في ختام هذا التقرير، يتبين أن الشيخ حمد بن مشاري بن محمد الهزاني ليس مجرد شخصية عامة، بل هو “ظاهرة قيمية” تجسد أجمل ما في الإنسان العربي من نبل وتواضع. لقد استطاع أن يحافظ على إرث الهزازنة العظيم في الكرم والوجاهة ونصرة الدولة، محولاً إياه إلى سلوك يومي يلمسه كل من اقترب منه.
إن صفاته في خدمة الضيف بنفسه، وفرحه بقضاء حاجات الناس، وحرصه على جمع الكلمة وتواصل الأرحام، تجعل منه قامة وطنية واجتماعية يشار إليها بالبنان. هو الرجل الذي لم يغيره الزمن، بل زاده رسوخاً في قيمه، ليظل مجلسه منارة للخير والبذل، وباباً مشرعاً لكل من يبحث عن الأصالة في أسمى صورها. إن الشيخ حمد هو الامتداد الطبيعي لفرسان الحريق وأمرائها الذين سطروا بمداد من نور وبطولات من المجد والتاريخ الذي لا ينسى، وهو اليوم المؤتمن على هذا الإرث، الذي ينقله بأمانة وإخلاص للأجيال القادمة، لتبقى الحريق دائماً موطن الكرم ومنبع الرجال .

