بحر الجود الذي لا ساحل له:

كرم النبي محمد ﷺ

 الكرم: تاج الفضائل العربية وذروة الخلق الإسلامي

في قلب الصحراء العربية، حيث قسوة الطبيعة وشظف العيش، نبتت فضيلة الكرم كشجرة باسقة تضرب بجذورها في أعماق الوجدان الاجتماعي، وتتفرع أغصانها لتظلل كل جوانب الحياة. لم يكن الكرم مجرد سلوك فردي، بل كان قانونًا اجتماعيًا، ومعيارًا للشرف، ودليلاً على النبل والسيادة.1 كان العربي في جاهليته يرى في الكرم قمة المجد، فيبذل ماله، وينحر إبله، ويوقد ناره ليلًا ليهتدي بها الضال والجائع، لا يبتغي من وراء ذلك إلا الذكر الحسن والثناء الخالد في أشعار ترويها الأجيال.3 لقد كانت هذه الفضيلة جزءًا لا يتجزأ من هويته، ووسيلة للبقاء في بيئة لا ترحم، ورمزًا للحرية الشخصية والرفعة فوق قيود الشح والأثرة.5

ولما أشرقت شمس الإسلام، لم تأتِ لتمحو هذه الفضيلة الراسخة، بل أتت لتهذبها وتصقلها وتمنحها روحًا جديدة وبعدًا سماويًا. لقد أحدث الإسلام نقلة نوعية في فلسفة العطاء، محولًا إياه من فعل يهدف إلى اكتساب المجد الدنيوي والسمعة بين الناس، إلى عبادة خالصة يُبتغى بها وجه الله “الكريم”، الذي هو مصدر كل كرم ونعمة.1 انتقل الكرم من كونه أداءً اجتماعيًا محكومًا بنظر الخلق، إلى علاقة روحانية سامية بين العبد وربه، دافعها الإيمان العميق ورجاء الثواب الأبدي.7 لم يعد العطاء وسيلة للفخر، بل أصبح طريقًا للشكر، وبرهانًا على اليقين، وتجارة لن تبور مع الخالق جل وعلا.1

وفي خضم هذا التحول الروحي العميق، تجسدت هذه القيمة في أسمى صورها وأكمل تجلياتها في شخصية النبي محمد بن عبد الله ﷺ، الذي لم يكن رجلًا كريمًا فحسب، بل كان هو الكرم ذاته يمشي على الأرض. لقد شهد له أصحابه، الذين عايشوه وخبروا كرم الكرماء، بأنه كان “أجود الناس” على الإطلاق.8 لم يكن جوده ﷺ فعلًا متقطعًا أو مناسبة عابرة، بل كان حالة دائمة، وفيضًا لا ينقطع، وطبيعة راسخة في كيانه، حتى وُصف عطاؤه بأنه أسرع من “الريح المرسلة”، التي تعم بخيرها كل شيء دون تمييز أو انتظار.8 لقد جاء ﷺ ليكون القدوة المطلقة، والنموذج الإنساني الكامل لهذا الخلق الرباني، فكان بحرًا من الجود لا ساحل له، منه تعلمت البشرية المعنى الحقيقي للعطاء.

إن الفارق بين كرم الجاهلية والكرم النبوي ليس فارقًا في الكم فحسب، بل هو فارق جوهري في الكيف والغاية. فالكرم الذي كان يمارسه سادات العرب كحاتم الطائي، على عظمته، كان مدفوعًا بحب السمعة ورغبة في تخليد الذكر.1 أما كرم النبي ﷺ، فقد كان نابعًا من ينبوع إيماني لا ينضب، وهو الثقة المطلقة بالله الرزاق، والزهد الحقيقي في متاع الدنيا الزائل، والرحمة الشاملة التي أُرسل بها للعالمين. لم يكن يعطي ليُقال عنه كريم، بل كان يعطي لأنه عبدٌ لربٍ كريم، ولأنه يرى في العطاء تحقيقًا للغاية من وجوده، وتجسيدًا لرسالته. هذا التحول الجذري في دافع العطاء هو الذي جعل كرمه ﷺ ظاهرة فريدة، لا تقاس بمقاييس البشر المادية، بل بمقاييس اليقين الإلهي الذي لا حدود له.

الجزء الأول:

عطاء من لا يخشى الفقر: تجليات الكرم المادي

لم يكن الكرم المادي للنبي ﷺ مجرد صفة من صفاته، بل كان تعبيرًا عمليًا عن عقيدته، وترجمة حية ليقينه بالله. لقد تحولت يده الشريفة إلى قناة يتدفق من خلالها رزق الله على عباده، فكان عطاؤه فيضًا لا يعرف التردد، ونهرًا لا يتوقف عن الجريان. إن دراسة هذا الجانب من حياته تكشف عن فلسفة اقتصادية فريدة، قائمة على الثقة المطلقة بالخالق، وزهد كامل في المخلوق.

 المبدأ الأساسي: لا يرد سائلًا أبدًا

كان القانون الذي لا يحيد عنه النبي ﷺ في حياته هو ألا يقول “لا” لمن يطلب منه شيئًا ما دام يملك ما يعطيه.8 لم يكن هذا مجرد تهذيب اجتماعي، بل كان مبدأً راسخًا ومنهج حياة. وتعد شهادة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﷺ شهادة جامعة مانعة، حيث قال: “مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا”.8 هذه الكلمات القليلة تختزل بحرًا من المواقف التي تجلى فيها هذا الخلق العظيم.

ومن أبلغ الأمثلة على ذلك، قصة الرجل الذي رأى على النبي ﷺ بردة جميلة، فلم يتمالك نفسه أن قال: “اكسنيها”، فما كان من النبي ﷺ، الذي كان هو نفسه في حاجة إليها، إلا أن دخل بيته، فخلعها، ثم خرج بها في يده وأعطاها للسائل دون كلمة عتاب أو تلميح بالضيق.8 في هذا الموقف، تتجلى حقيقة أن حاجة السائل كانت مقدمة على حاجته الشخصية، وأن فرحة العطاء كانت عنده أعظم من متعة الامتلاك. لقد كان يعطي عطاء من يرى أن ما عند الله خير وأبقى، وأن يد المعطي هي العليا.

 سيل العطاء: كرم بمقاييس تفوق الوصف

لم يكن كرمه ﷺ يقتصر على العطايا الفردية البسيطة، بل كان يصل إلى حد العطاء الهائل الذي يغير حياة الأفراد والمجتمعات في لحظة. كانت عطاياه أشبه بسيل منهمر يروي أرضًا قاحلة، فيحولها إلى جنة خضراء.

وتقف قصة الأعرابي الذي طلب من النبي ﷺ غنمًا شاهدًا على هذا الكرم الفياض. لم يتردد النبي ﷺ، فأعطاه واديًا كاملًا من الغنم يسد ما بين جبلين.8 لقد كان المشهد مهيبًا، والعطاء يفوق كل تصور، حتى أن الرجل عاد إلى قومه وقد تغير حاله وحال قلبه، فهتف فيهم قائلًا: “يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً مَا يَخْشَى الْفَاقَةَ”.8 لم يكن هذا العطاء مجرد صدقة، بل كان رسالة دعوية بليغة، وبرهانًا عمليًا على أن من يتصل بالله لا يخشى الفقر، وأن الإسلام دين اليسر والرحمة والغنى.

وفي موقف آخر، حُملت إليه تسعون ألف درهم، فوُضعت على حصير في المسجد، فقام إليها يقسمها على الناس، فما رد سائلًا أتاه حتى فرغ منها جميعًا في مجلس واحد، وعاد إلى بيته خالي الوفاض إلا من غنى النفس ورضا الرحمن.8 لقد كان المال في يده أداة لتفريج الكروب وقضاء الحوائج، لا غاية للتكديس والتفاخر. لم يكن يخزن الثروة، بل كان يوجهها فورًا إلى مستحقيها، مدركًا أنها أمانة يجب أن تؤدى.

 كنز الزاهد: كرم من لا يملك شيئًا

إن أعجب ما في كرم النبي ﷺ هو أنه كان في أوج تجلياته عندما كان في أشد حالات الفقر والزهد. لقد كانت حياته الشخصية مثالًا في البساطة والتقشف، حتى أن النار لم تكن توقد في بيته لأسابيع متواصلة، وكان طعامه غالبًا ما يكون التمر والماء.26 ومن هذا الواقع المتواضع، كان ينبع كرم لا مثيل له، ليثبت أن الجود الحقيقي هو جود النفس لا جود المال.

ويتجلى هذا المبدأ في حديثه الشهير الذي قال فيه لأبي ذر: “مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ…”.21 تكشف هذه الكلمات عن فلسفته العميقة: الثروة ليست عبئًا فحسب، بل هي مسؤولية يجب التخلص منها بتوزيعها في أسرع وقت. لم يكن يرى في الذهب قيمة إلا بقدر ما يسد به حاجة محتاج أو يفك به كربة مكروب.

وقد بلغ به هذا الشعور ذروته قبيل وفاته، حين تذكر أن بضعة دنانير بقيت في بيته، فلم يهدأ له بال ولم يغمض له جفن حتى أمر بتوزيعها، وكأنه يخشى أن يلقى الله وفي ذمته مال لم يضعه في موضعه الصحيح.19 إن هذا الموقف يكشف أن الكرم لم يكن بالنسبة له خيارًا، بل كان ضرورة إيمانية، وراحة للنفس، وطمأنينة للروح.

إن كرم النبي ﷺ المادي لم يكن مجرد سلوك خيري، بل كان سياسة اقتصادية قائمة على الثقة الإلهية. إن أفعاله، التي قد تبدو غير منطقية من منظور اقتصادي بحت – كإعطاء قطعان كاملة من الغنم أو توزيع ثروات طائلة في لحظة – هي في الحقيقة منطقية تمامًا ضمن إطار لاهوتي قوامه التوكل المطلق على الله باعتباره الرزاق الأوحد. كان يستحضر دائمًا الوعد القرآني: $﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾$ 12، ليس كفكرة مجردة، بل كحقيقة يقينية لا تتخلف. وبهذا، لم يكن عطاؤه مجرد إحسان، بل كان درسًا حيًا لأمته في أن الأمن المالي الحقيقي لا يأتي من التكديس، بل من الإنفاق في سبيل الله. لقد أسس بذلك ثقافة التكافل الاجتماعي التي كانت حجر الزاوية في صمود المجتمع الإسلامي الأول وتماسكه.

الجزء الثاني:

الكرم الأسمى: عطاء النفس والروح

إذا كان الكرم المادي بحرًا، فإن كرم النفس والروح هو المحيط الذي لا قرار له. هنا، يتجاوز العطاء حدود المادة ليدخل إلى عالم المعاني السامية، حيث يصبح بذل المشاعر والوقت والصفح أثمن من كنوز الأرض جميعًا. في هذا المضمار، بلغ النبي محمد ﷺ منزلة لم يبلغها بشر، فكان كرمه فيضًا من روحه الشريفة، يغمر كل من حوله بالرحمة والمغفرة والود.

 كرم العفو: الصفح عما لا يُصفح عنه

إن العفو عند المقدرة هو هدية ثمينة، لا يقدمها إلا من امتلك نفسًا كريمة سمت فوق نوازع الانتقام ورغبات الثأر. لم يكن العفو في حياة النبي ﷺ فعلًا سلبيًا يعني الكف عن الأذى، بل كان عطاءً إيجابيًا، ومنحة كريمة تُلغى بها ديون الإساءة، وتُفتح بها صفحات جديدة من الأمل والسلام.

وتتجلى ذروة هذا الكرم في مشهد فتح مكة. بعد عشرين عامًا من الاضطهاد والنفي والحرب، وبعد أن تحمل ﷺ ما لا تطيقه الجبال من أذى قريش، دخل مكة منتصرًا، ووقف أمامه زعماء الشرك الذين أذاقوه وأصحابه ألوان العذاب، وهم ينتظرون كلمة منه تقرر مصيرهم. في تلك اللحظة التاريخية التي اجتمعت فيها كل أسباب الانتقام، سألهم سؤاله الخالد: “مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟”. فلما أجابوا برجاء: “أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ”، أتاهم جوابه الذي كان أعظم منحة في تاريخ البشرية: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”.28 لقد وهبهم الحياة والأمان، وهم الذين لم يدخروا وسعًا في السعي لقتله.

ولم يكن هذا الموقف استثناءً، بل كان قاعدة مطردة في حياته. ففي خضم معركة أحد، والدماء تسيل من وجهه الشريف، لم يدعُ على قومه، بل دعا لهم قائلًا: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ”.8 وعفا عن المرأة اليهودية التي دست له السم في طعامه.29 وصفح عن الأعرابي الذي استل سيفه مهددًا إياه بالقتل، فلما تمكن منه، عفا عنه وأطلق سراحه.25 بل إن الأعرابي الذي جذبه من ردائه بعنف حتى أثر في عنقه، لم يلق منه إلا ابتسامة وعطاءً.8 لقد كان كرم عفوه بحرًا يغسل أدران الإساءة، ويحول العدو إلى محب.

 كرم الوقت والحضور: هبة للمهمشين

في عالم القيادة، يعتبر الوقت أثمن السلع. وقد كان النبي ﷺ يجود بوقته وحضوره بسخاء لا نظير له، خاصة مع الضعفاء والمساكين والمهمشين. لقد أدرك أن منح الاهتمام لمن لا يلتفت إليه أحد هو من أعظم صور الكرم.

كان ﷺ يمشي مع الأرملة والمسكين، ويقضي الساعات في تلبية حوائجهم، لا يأنف من ذلك ولا يستكبر.22 وتصف الروايات كيف كانت الطفلة الصغيرة تأخذ بيده الشريفة، فيمضي معها في سكك المدينة حيث شاءت حتى يقضي لها حاجتها. لم تكن هناك حواجز أو بروتوكولات تمنع أضعف الناس من الوصول إليه.16 كان يجلس على الأرض مع أصحابه، فلا يتميز عنهم، ويجيب دعوة الفقير إلى طعامه المتواضع، ويشارك زاده مع كل من حضر.22 إن هذا البذل من وقته ومكانته كان أداة فعالة لبناء مجتمع متراحم ومتساوٍ، يشعر فيه كل فرد بقيمته وكرامته.

 كرم القلب: فيض من المشاعر والوفاء

امتد كرمه ﷺ ليشمل أثمن ما يملكه الإنسان: مشاعره. كان يجود بابتسامته، وتعاطفه، وحبه، ووفائه، فيروي بذلك القلوب العطشى، ويجبر النفوس الكسيرة.

كانت ابتسامته صدقة دائمة، فلم يكن يُرى إلا بسامًا في وجوه أصحابه، يغمرهم بدفء مودته، ويزيل عنهم هموم الحياة.16 أما وفاؤه، فكان مظهرًا من أسمى مظاهر الكرم. فبعد سنوات طويلة من وفاة زوجته الأولى السيدة خديجة رضي الله عنها، كان إذا ذبح شاة، يرسل منها إلى صديقاتها، كرمًا منه لذكراها، وعطاءً متجددًا من وفائه الذي لا ينقطع.32 لقد كان هذا الفعل عطاءً من قلبه، وهدية من ذاكرته، وتكريمًا لمن أحب.

كما كان يجود باحترامه وتقديره للآخرين. فعندما يأتيه سيد من سادات قومه، كان يكرمه ويفرش له رداءه ليجلس عليه، مؤسسًا بذلك قاعدة حضارية خالدة: “إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ”.32 لم يكن هذا مجرد مجاملة، بل كان عطاءً سخيًا من التقدير الإنساني الذي يؤلف القلوب ويبني جسور الثقة.

إن هذا الكرم الشامل – المادي، والعفوي، والزمني، والعاطفي – لم يكن مجرد فضائل متفرقة، بل كان منهجية متكاملة ومتعمدة لبناء المجتمع. فالقائد الذي يعطي المال فقط قد يُنظر إليه على أنه بعيد، والقائد الذي يقدم الكلام المعسول دون مساعدة مادية قد يُرى على أنه غير فعال. أما القائد الذي يجود بماله، ويصفح عن الأذى الشخصي، ويقضي وقته مع المحتاجين، ويقدم تواصلًا عاطفيًا صادقًا، فإنه يخلق رابطة اجتماعية لا تنفصم. لقد كان كرم النبي ﷺ بهذه الشمولية أداة متطورة لبناء الأمة، حيث علم مجتمعه أن كل فرد، بغض النظر عن ثروته، يمتلك شيئًا ثمينًا ليقدمه. وبهذا، بُني رأس المال الاجتماعي ليس على المال فحسب، بل على الرحمة والاحترام المتبادل والدعم العاطفي، مما أدى إلى توحيد القبائل المتناحرة في أمة متماسكة.17

الجزء الثالث:

ينابيع الكرم النبوي: الدوافع اللاهوتية والأبعاد الروحية

لكي نفهم العمق الحقيقي لكرم النبي ﷺ، لا بد من الغوص في المحيطات الروحية التي كانت تغذي هذا النهر المتدفق من العطاء. لم يكن كرمه مجرد سمة شخصية أو عادة اجتماعية، بل كان النتيجة الحتمية والطبيعية لحالته الإيمانية، والثمرة اليانعة لعقيدته الراسخة. إن أفعاله كانت انعكاسًا مباشرًا لقناعاته اللاهوتية العميقة.

 محرك التوكل: الثقة المطلقة بالرازق الله سبحاته و تعالى 

كان المحرك الأساسي لكرم النبي ﷺ هو توكله المطلق على الله. لم يكن يرى المال ملكًا له، بل أمانة من الله يجب أن تمر عبره إلى عباد الله. لقد كان يعيش بيقين تام بأن خزائن الله لا تنفد، وأن ما ينفقه في سبيله سيعوضه أضعافًا مضاعفة.14

كان قوله ﷺ: “أَنْفِقْ وَلَا تُحْصِ فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكَ” ليس مجرد نصيحة لأمته، بل كان قانونه الشخصي الذي لا يحيد عنه.20 لقد حررته هذه الثقة المطلقة من أكبر عائق نفسي أمام العطاء، وهو الخوف من الفقر. وهذا يفسر سر عطائه الذي وصفه المعاصرون بأنه “عطاء من لا يخشى الفقر”.8 لقد كان ينفق بثقة من يعلم أن المصدر الذي يستمد منه لا نهائي، وأن الله هو الضامن والوكيل. هذا اليقين هو الذي حول الإنفاق من مجازفة إلى استثمار، ومن نقص إلى زيادة.

3.2 منظار الزهد: التجرد عن زخارف الدنيا

كان زهده ﷺ شرطًا أساسيًا لكرمه. إن تجرده الكامل عن حب الدنيا وتعلقه بمتاعها الزائل جعل عملية البذل ليست تضحية مؤلمة، بل راحة للنفس وتخففًا من الأعباء. كانت الدنيا في عينيه دار ممر، والآخرة هي دار المقر، وما يقدمه في هذه الحياة هو رصيده الحقيقي في الحياة الباقية.6

لقد أعاد هذا المنظور تعريف مفهوم الملكية بشكل جذري. فما يمسكه الإنسان هو في الحقيقة ما يفقده عند الموت، وما يعطيه هو ما يملكه إلى الأبد. تتجلى هذه الفلسفة في سؤاله لأصحابه: “أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟” فلما أجابوا بأن مال الإنسان أحب إليه، قال: “فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ”.12 لقد كان يعيش هذه الحقيقة بكل جوارحه، فكان يسارع إلى “تقديم” ماله، أي إنفاقه، لأنه يراه ملكه الحقيقي الذي يدخره في بنك الآخرة الذي لا يفلس.

تكليف الرحمة: رحمة للعالمين

يصف القرآن الكريم النبي ﷺ بأنه $﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾$.34 وكان كرمه هو التعبير العملي الأبرز عن هذه الرحمة الشاملة. لم يكن عطاؤه مقتصرًا على المسلمين أو المقربين منه، بل امتد ليشمل الجميع، حتى أعداءه. لقد استخدم الكرم كأداة فعالة لتأليف القلوب، ووسيلة لإظهار جمال الإسلام ورحمته.8

إن قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ لا يريد إلا الدنيا، ثم لم يمسِ حتى كان الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، هي خير دليل على ذلك.8 لقد كان العطاء المادي مدخلًا لقلبه، أزال عنه غشاوة الطمع، وفتح عينيه على حقيقة الرسالة. وبهذا، تحول الكرم في المنهج النبوي إلى أداة دعوية من الطراز الأول، تجعل حقيقة الإيمان ملموسة ومحسوسة، وتترجم المبادئ السامية إلى واقع معيش.

إن هذه الدوافع اللاهوتية – التوكل، والزهد، والرحمة – ليست عناصر منفصلة، بل هي منظومة متكاملة تشكل سلسلة سببية. فمنظوره للعالم (الزهد) جعله يرى الممتلكات المادية كأدوات لا كنوز. وإيمانه (التوكل) منحه الثقة بأن هذه الأدوات سيتم تجديدها باستمرار من قبل الله. ورسالته (الرحمة) أعطته الغاية التي من أجلها تُستخدم هذه الأدوات، وهي تخفيف المعاناة وهداية البشرية. لذلك، فإن كرم النبي ﷺ ليس مجرد “خلق حسن”، بل هو التجلي المادي لحقيقته الروحية. لا يمكن فهم حجم واتساق عطائه دون فهم المحرك الإيماني الذي كان يدفعه. كانت يده كريمة لأن قلبه كان متعلقًا بالله بالكامل ومنفصلًا عن الدنيا تمامًا. وهذا هو الدرس الأسمى في الشخصية النبوية.

 إرث الكرم المحمدي وأثره الحضاري

لم يكن كرم النبي محمد ﷺ مجرد فضيلة شخصية تزين سيرته العطرة، بل كان حجر زاوية في بناء حضارة بأكملها. لقد تحول نموذجه الشامل في العطاء من سلوك فردي إلى نسيج اجتماعي، ومن مبدأ أخلاقي إلى نظام مؤسسي، تاركًا إرثًا خالدًا لا يزال يلهم البشرية حتى يومنا هذا.

لقد نجح النبي ﷺ، من خلال قدوته المستمرة وتعاليمه المتكررة، في غرس قيم التكافل والإيثار في نفوس أصحابه، فتحول المجتمع الوليد من مجموعة من الأفراد المتناثرين إلى جسد واحد متراحم.15 إن قصص إيثار الصحابة، الذين كانوا يقدمون حاجة إخوانهم على حاجة أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، لم تكن إلا انعكاسًا مباشرًا للتربية النبوية. ومن رحم هذه الثقافة، ولدت أنظمة الإسلام الاجتماعية كفريضة الزكاة، والتشجيع على الصدقات والأوقاف، التي شكلت شبكة أمان اجتماعي غير مسبوقة في التاريخ.

لقد أعاد الكرم النبوي تعريف مفهوم القيادة. ففي نموذجه، لم تعد السلطة وسيلة للتملك والسيطرة، بل أصبحت أداة للتوزيع والخدمة.17 لقد أثبت ﷺ أن القائد الحقيقي لا يُقاس بما يملكه، بل بما يمنحه؛ وأن قوته لا تكمن في قدرته على الأخذ، بل في سخائه في العطاء. لقد كانت حياته برهانًا على أن القيادة الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تنبع من قلب رحيم ويد معطاءة.

وفي عالم اليوم، الذي غالبًا ما تطغى عليه قيم المادية والفردية، يظل نموذج الكرم المحمدي منارة هادية ومعيارًا عالميًا لا يخفت نوره. إن مثاله في العطاء الشامل – عطاء المال، والعفو، والوقت، والقلب – يقدم خريطة طريق عملية لبناء مجتمعات أكثر تعاطفًا وتماسكًا. إن سيرته تجيب عن بحث الإنسان الأزلي عن قيادة متجذرة في الرحمة، ونظام اجتماعي قائم على الرعاية، وحياة ذات معنى تتحقق في البذل لا في الأخذ.16 لقد كان ﷺ بحق بحرًا من الجود، لا يزال العالم ينهل من فيضه، ويتعلم من دروسه الخالدة.

من alkram net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *